|

|
| من اليمين د.ماجدة
القرضاوي، د.أمال عبدالهادي، د.نادية
عبدالوهاب، د.ليلى الليثي |
حادثة (تعرية) إحدى الفتيات أمام
دار للسينما خلال ثاني أيام عيد الفطر
الماضي، والتي قام بها بعض الفتيان في شكل
لم يسبق له مثيل وسط القاهرة العامر
بالبشر، أعادت للأذهان مشاهد الاعتداءات
التي وقعت ضد المتظاهرات في شوارع القاهرة
أمام قوات الأمن، وأعادت للأذهان أيضا
حادثة (فتاة العتبة) التي وقعت في بداية
التسعينيات، حين تم الاعتداء على هذه
الفتاة في وضح النهار وسط القاهرة، بل في
أكثر مناطق القاهرة ازدحامًا.
الطبيب الشرعي
كيف يتعامل الأطباء في
المستشفيات الحكومية، أو أطباء هيئة الطب
الشرعي مع حالات الاعتداءات الجنسية
عندما تصل إليه، سواء كانت الضحية امرأة،
أو طفلا أو حتى رجلا، وهل يوفر النظام
الصحي الخدمة المطلوبة للضحايا (والجناة
أيضا)؟.. سؤال يفرض نفسه في الآونة الأخيرة
بعد تزايد وتصاعد حدة الاعتداءات من هذا
النوع.
هذا السؤال أيضا كان محور
الدراسة التي أعدها فريق من الباحثين
بوزارة الصحة والسكان بمصر وهيئة الطب
الشرعي تحت إشراف د.آمال عبد الهادي -مديرة
مركز دراسات المرأة الجديدة- ضمن عدة
دراسات مشابهة تجرى على مستوى العالم في
عدة مناطق بدعم من منظمة الصحة العالمية.
وقع الاختيار على كل من محافظة
القاهرة (العاصمة)، والفيوم (المدينة
المحدودة الموارد حسب تقرير التنمية
البشرية 2005) كعينة مكانية للدراسة، وأوضحت
الدراسة أن الخدمة المقدمة لضحايا العنف
الجنسي تحصر ما بين جهتين، كل منها منفصلة
ومستقلة عن الأخرى، الأولى قطاع الصحة
العلاجية بوزارة الصحة، والثانية هيئة
الطب الشرعي التابعة لوزارة العدل حيث
تحول إليها الحالات من أقسام الشرطة
والنيابات وغيرهما.
والأطباء الشرعيون التابعون
لهيئة الطب الشرعي هم الأشخاص الوحيدون
المصرح لهم بتوقيع أي كشف شرعي، وجمع
الأدلة، وإصدار التقارير الرسمية،
والإدلاء بالشهادة أمام المحاكم، إلا أن
الأطباء الشرعيين لا يمكنهم مباشرة قضايا
العنف الجنسي ما لم يطلب ذلك منهم رسميا من
خلال النيابة العامة، وبذلك لا يمكن
للضحايا التوجه مباشرة إلى هيئة الطب
الشرعي، ولكن ينبغي عليهم التقدم أولا إلى
الشرطة؛ وهو ما يؤثر على عدد ضحايا العنف
الجنسي الذين يطلبون العون؛ فعادة مَن
يلجئون إلى هيئة الطب الشرعي هم مَن ينوون
اللجوء إلى القضاء بسبب ما حدث لهم، لكن (الضحايا)
الذين يخشون الفضيحة لا يذهبون للطب
الشرعي.
وعلى الجانب الآخر نجد أن
الضحايا الذين يلجئون للمستشفيات أو
الوحدات الصحية لا بد من إحالتهم إلى
الشرطة، وإعادة إجراء الفحص الطبي لهم مرة
أخرى بواسطة الأطباء الشرعيين؛ وهو ما
يفاقم من معاناتهم، خاصة في حالات
الاغتصاب وسفاح المحارم والتحرش
بالأطفال، ويقلل هذا من عدد الحالات التي
تطلب المساعدة.
وتوضح الدراسة أنه ليست هناك
علاقة مباشرة بين المنشآت الصحية أو منشآت
الطب الشرعي، وبين المنظمات غير الحكومية
التي تقدم علاجا وإعادة تأهيل ضحايا العنف
بأنواعه، بما فيها العنف الجنسي، وليست
هناك مراكز أزمات خاصة بالاغتصاب في مصر.
كما يعاني العاملون في هيئة الطب
الشرعي من الموارد المحدودة، سواء
البشرية أو المادية؛ فهناك حوالي 125 طبيبا
شرعيا موزعين على 15 إدارة لتغطية احتياجات
70 مليون مواطن مصري، وتقدم هذه الإدارات
خدماتها مجانًا، وتعاني من الانخفاض
المستمر في عدد الأطباء الشرعيين
والميزانية المخصصة، والأماكن المتاحة في
المنشآت، والافتقار إلى المعدات الأساسية.
وكلها أمور تعيق جهود سلامة
الضحايا وأيضا المحافظة على سلامة
الأطباء أنفسهم كنقل عدوى الأمراض
المنقولة جنسيًا كالإيدز وغيره،
والمحافظة على تسلسل الأدلة.. وتجنب
التأخير في أثناء التحريات القضائية،
ويزداد الأمر تعقيدًا إذا عرفنا أنه لا
يوجد سوى مختبر طبي واحد لخدمة جميع
المواطنين يتبع الطب الشرعي لإجراء
الاختبارات البكتيرية والباثولوجية
وغيرها، وتنقل العينات إليه؛ وهو ما يؤثر
على سلامة التحريات وسلامة الأدلة.
خوف الضحية والفضيحة
يمكن القول اختصارا بأن الدراسة
كشفت عن عدم وجود سياسات وطنية محددة
لمواجهة العنف الجنسي سواء لوزارة الصحة
والسكان أو لهيئة الطب الشرعي، ولا توجد
قواعد إرشادية لمواجهة حالات العنف
الجنسي سوى ما يتعلق بضرورة إبلاغ الشرطة
من قبل الحالات التي تأتي للمستشفيات
وتقديم العلاج الطبي للإصابات الموجودة،
في حين يقتصر الفحص والتوثيق وجمع الأدلة
والمحافظة عليها على منشآت الطب الشرعي.
تبين الدراسة أيضا أنه لا يتم
تقديم خدمات المشورة النفسية أو وسائل منع
الحمل الطارئة، أو إجراء اختبارات كشف
الإصابة بفيروس الإيدز، أو الأمراض التي
تنقل جنسيا، ولا يتم تدريب العاملين
بالمنشآت الصحية؛ فلا توجد هذه
الاختبارات إلا بالمستشفيات المتخصصة فقط.
وأوضح الأطباء بالمستشفيات
والأطباء الشرعيون أن الكثير من الضحايا
يتجنبون المنشآت الرسمية -ما لم يكونوا
يريدون إقامة دعوى قضائية- خوفا من
الفضيحة؛ لذا يتجه أغلب الضحايا إلى
العيادات الخاصة؛ وهو ما يفسر العدد
المحدود جدًا لحالات العنف الجنسي
المسجلة رسميا.
وتقتصر أنواع العنف الجنسي التي
ترد لتوقيع الكشف الطبي الشرعي عليها -إلى
حد كبير- على الاغتصاب وسوء المعاملة
الجنسية للنساء والأطفال، خاصة الأطفال
الذكور، ومن النادر أن يتقدم الذكور
البالغون إلى السلطات الرسمية حال تعرضهم
لذلك(!!).
وأوصت الدراسة بأهمية وضع سياسة
وطنية واضحة للتعامل مع ضحايا العنف
الجنسي، تحدد أدوار الأطراف المختلفة بما
فيها المنظمات غير الحكومية، تحتوي على
قواعد وإرشادات محددة، وأن تتضمن خدمات
الطب الشرعي الممرضات والعاملين في
الخدمات الاجتماعية، وليس الأطباء فقط،
وإقامة أقسام خاصة للتعامل مع ضحايا العنف
الجنسي بها مقدمو رعاية اجتماعية مدربون
يمكنهم التعامل مع الضحايا بتفهم وتعاطف،
وأن تتضمن المناهج التعليمية في كليات
الطب والتمريض والشرطة الحقوق مقررات حول
العنف الجنسي.
عدم التعاطف
وتوضح د.آمال عبد الهادي في أثناء
اللقاء الذي نظمته مؤسسة المرأة الجديدة
لعرض الدراسة والنقاش حول التجارب
الدولية لمساعدة ضحايا العنف الجنسي أنه
لا توجد بيانات رسمية دقيقة عن حجم
الاعتداءات الجنسية، وأن العدد الرسمي
الذي يتكرر منذ التسعينيات وحتى الآن هو 200
حالة اغتصاب سنويا، ويؤكد خبراء البحوث
الجنائية على أن هذا العدد يمثل (قمة) جبل
الجليد التي نراها لكن باقي الجبل لا يراه
أحد، ويحرم القانون الجنائي المصري العنف
الجنسي في كثير من مواده خاصة إذا حدث
الاعتداء من الأشخاص المتولين الرعاية
للصغار (الوالدين، المعلمين) ولا يعترف
القانون بالاغتصاب إلا في حال الجماع، أما
هتك العرض والتعرية وغيرها لا تعد اغتصابا.
وهناك مشكلة أخرى تواجه ضحايا
العنف الجنسي خاصة من النساء وهي عدم
تعاطف المتعاملين معهن، سواء بعض الأطباء
أو العاملين في أقسام الشرطة والمنشآت
الطبية، فينظرون للضحية على أنها السبب في
الاعتداء عليها.
هنا تتفق الطبيبة -ليلى الليثي-
مديرة برنامج الصحة الإنجابية بالبرازيل
قائلة نحن أيضا لدينا نفس المشكلة؛ فرغم
وجود 60 مركزا متخصصا لتقديم الخدمات
لضحايا العنف الجنسي تتبع وزارة الصحة،
ولديها إرشادات محددة لتقديم خدمات منع
الحمل الطارئة، والتحاليل الطبية،
والمشورة النفسية للضحية، فإنه عند
التطبيق نجد أن بعض العاملين بهذه المراكز
لا يقدمون الخدمة بالشكل المطلوب، فبعضهم
لا يحترم العمل في هذا المجال، وقد لا يكون
هو نوع العمل الذي يحب الانخراط فيه؛ لذلك
أعددنا دليلا يتضمن حوارات وأسئلة لا بد
أن يوجهها المتعامل مع الضحية للضحية
لتكون بمثابة الحوار المطلوب في هذا الوضع
لكلا الطرفين (مقدم الخدمة والضحية)؛ حتى
لا تؤثر التوجهات الثقافية والاجتماعية
للمقدم الخدمة على نوعية الخدمة التي
يقدمها وشكلها.
فصل الربيع!!
أما د.ماجدة هلال القرضاوي -وكيلة
وزارة العدل وكبيرة الأطباء الشرعيين
بالقاهرة- فتشير إلى أن بعض حالات العنف
الجنسي التي تحدث داخل الأسرة لا تصل إلى
الطب الشرعي إلا في حالات الوفاة، أما قبل
ذلك فلا أحد يعلم عنها شيئا، ولا أنسى تلك
الزوجة التي وصلت جثة هامدة بعد أن رفضت
مواقعة زوجها بسبب تعب النفاس، فأصر على
ذلك بشكل عنيف حتى ماتت.
وتتابع: وهناك الكثير من الصور
التي قد لا تصل للطب الشرعي مثل الإهانة
والحط من الكرامة والإساءة الجنسية التي
تسبب إصابات تتراوح ما بين كدمات سطحية
إلى قطوع وإصابات داخلية، وقلما تصل للطب
الشرعي، لكن يكفي أن توضح الأرقام أن 45% من
حالات قتل الزوجات تتم على يد شركائهن.
وقالت: وإذا كانت حالات الاغتصاب
لا تسجل بشكل إحصائي دقيق فيكفي أن أقول إن
عدد الحالات تصل إلى حالتين يوميا في
المركز الذي أعمل به خاصة خلال فصل
الربيع، وتقل كثيرا في الشتاء، ولا يبلغ
عن حالات ما يمكن تسميته الاغتصاب الروحي
ولا تقبل الحالات إلا ميتة.
خط ساخن
ويمكننا أن نطالب بإنشاء (خط ساخن)
لحالات الاعتداء الجنسي أسوة بالخط
الساخن للإدمان والخط الساخن للمعاقين
والخط الساخن لنجدة الطفل، ليمكن للمبلغ
الحصول على خدمات المشورة النفسية
والخدمات الأخرى حسب الحالة خاصة في
الحالات التي لا تصل للشرطة، مثل
الاعتداءات من قبل الممرضين والمرضى في
مستشفيات الأمراض العقلية، أو التلميذة
والمعلم، أو الاعتداءات في أقسام الشرطة
أو بين المساجين، أو السيد والخادمة. وهي
كلها حالات موجودة لا تمثل ظاهرة، لكن
المهم منعها قبل أن تحدث عن طريق التثقيف
الصحي وجلسات المشورة الجماعية التي
وجدنا في التجربة التي عرضت في أفغانستان
لمساعدة ضحايا الاعتداءات الجنسية.
وترفض الطبيبة الفلسطينية "ريما
الخفش" اتهام الربيع في قضايا
الاغتصاب؛ لأن في هذا اعتبار للرجال على
أنهم (حيوانات) تهيج مع قدوم الربيع، لكن
الحقيقة غير ذلك؛ فالاغتصاب هو جريمة تحدث
في أي وقت، وتحدث لأن (الضحية) دائمًا أقل
قدرة في الدفاع عن نفسها، والجاني يدرك
هذا جيدًا، ولهذا نجد نفس الجاني الذي
يعتدي بالضرب مثلا على زوجته وأولاده أو
حتى زميله في العمل، لا يستطيع أن يعتدي
بنفس هذا الشكل على رئيسه في العمل حتى إن
وقع تحت نفس ظروف الضغط العصبي التي يدعي
أنها سبب اعتدائه.
|