|
بين مطرقة الاحتلال وسندان
الانهيار الداخلي تقضي المرأة العراقية
أيامها، تعول أسرة قتل عائلها، تشارك في
ترميم مجتمع أفسدته الحرب التي ما إن
ينتهي أحد فصولها حتى يبدأ آخر، ها هي "تيسير
المشهداني" عضوة مجلس النواب العراقي
عن جبهة التوافق العراقية تتحدث إلينا عن
قصة اختطافها على يد إحدى المليشيات
المتطرفة، ومطالبتهم بفدية مقدارها مليون
دولار مقابل الإفراج عنها، وعن دور المرأة
في رعاية أسر غاب عائلها، وعن التغيير في
البناء الاجتماعي الذي تشهده الأسرة
العراقية.
"تيسير" هي أول امرأة عراقية
يتم اختطافها، قضت 58 يومًا لدى المختطفين،
من منزل إلى منزل، ومن مخبأ إلى آخر، كانت
ترافق الموت، ففي كل لحظة خلال هذه الفترة
هناك قتلى ودم ورصاصات تخترق الأجساد (تجاوز
عدد الضحايا خلال شهر أكتوبر فقط 3700 عراقي
بخلاف الجرحى).
بعد الإفراج عنها تعود أكثر
صلابة؛ لتمارس دورها في إخراج وطنها من
محنته، ولتضرب عرض الحائط بكل ما يقال عن
ضعف المرأة وعدم قدرتها على المشاركة
المجتمعية مثلها مثل الرجل. ورغم أنها
نائبة بالبرلمان فإنها لا تنسى أن تسرع في
طريق عودتها إلى منزلها حتى تُعِدّ طعام
العشاء لزوجها، وتفضل ألا تشتري الخبز من
خارج المنزل فلديها تنور (فرن منزلي)
لإعداد الخبز الساخن لزوجها وأبنائها.
قصة الاختطاف
- سألناها في البداية عن قصة
اختطافها؟
تقول وابتسامتها تسبق كلماتها:
كان ذلك يوم السبت 1/7/2006، بعد 3 أشهر من
التحاقي بالبرلمان العراقي. في ذلك اليوم
وفي تمام الـ9:15 صباحًا، أثناء ذهابي من
محافظة "ديالى" إلى العاصمة بغداد
لحضور جلسة البرلمان، اعترض سيارتي
مجموعة مسلحة ترتدي الزي المدني، بلغ
عددهم حوالي 17 شخصًا، في هذا الوقت كانت
حركة السيارات والباعة طبيعية، ولكن
حوادث الخطف أو القتل تتم على مرأى ومسمع
الناس، ولا يجرؤ أحد على التدخل؛ لأن هذا
معناه فقدان الحياة.
استغرقت عملية الخطف دقيقة ونصف،
غطوا عيني وقيدوا يدي ثم اقتادوني إلى
مناطق عشوائية في بغداد، وبعد أن تمت
العملية بنجاح بدأ التحقيق معي، أسئلة
عادية، ولكني كنت أجاوب إجابة مفادها أنكم
عراقيون وأنني امرأة عراقية ولا يصح أن
تفعلوا بي هذا، ولكم كانت اللحظات الأولى
صعبة إلا أنني لم أخف وكنت متماسكة، بعد
فترة طلبت منهم أن يبلغوا أهلي ولكنهم
رفضوا ولم يخبروهم إلا بعد اختطافي بثلاثة
أيام، ففي العراق عندما تمر ثلاثة أيام
معناه عدم رجوع الرهينة المختطفة.
- ما هي الجهة التي قامت
باختطافك؟ ولماذا تمت عملية الخطف؟
كان المختطفون يتبعون جهة شيعية متطرفة، فأثناء وجودي معهم تنقلت بين 6 منازل. وكنت أسمع صلواتهم وأدعيتهم، كانوا ينقلونني من منزل إلى آخر من خلال سيارة عبر شوارع بغداد وكنت مغطية الوجه وكأنني امرأة منتقبة تركب سيارة مثل باقي النساء في الشارع. وبعد مرور 12 يومًا، قام المختطفون بالاتصال بزوجي فطلب منهم سماع صوتي للتأكد من أنني ما زلت على قيد الحياة، سجلت رسالة صوتية له، وقد بدأت رسالتي بآية من سورة آل عمران "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" {آل عمران: 200}، ورغم القوة والتماسك الذي حاولت أن أتظاهر بهما فإن مشاعر الحزن والألم غلبتني، فأنا أم لطفلين الأكبر ست سنوات والآخر رضيع، كنت طيلة الوقت أفكر فيهما وأتألم.
والسبب الذي اختطفوني من أجله هو
وجود معتقلين شيعة لدى قوات الاحتلال
الأمريكية يبلغ عددهم 36 شخصًا، ممن
ارتكبوا جرائم قتل ضد مدنيين عراقيين،
وكان خطفي وسيلة ضغط على كتلة التوافق
الإسلامي السنية التي أنتمي إليها (44
مقعدًا بالبرلمان العراقي)؛ من أجل إطلاق
سراحهم. كانت المفاوضات تتم من خلال زوجي،
وقد أبلغوه بأسماء الأشخاص المطلوب
الإفراج عنهم. وبعد التحريات وجدوا أنهم
مجرمون وهنا ازدادت الأمور تعقيدًا،
وأحسست أن خيط الأمل الذي تعلقت بأهدابه
يوشك على الانهيار.
- كيف كنت تقضين وقتك كامرأة
مخطوفة وتعرف أن مصيرها إما القتل أو
التعذيب مثل آلاف العراقيين والعراقيات
الذين يقتلون وتمثل بجثثهم يوميًّا؟
رغم الظروف القاسية والمشاعر
المتناقضة التي كانت تطاردني والحراسة
الشديدة التي كانت ترافقني، لكني تغلبت
على ذلك بالتقرب إلى الله، وقد صمت 6 أيام
وكنت أحافظ على صلاة التهجد، وطلبت منهم
مصحفًا وعندما أقرأ القرآن كنت أستدير
ناحية الحائط وأرفع الشريط الموجود على
عيني وأقرأ، وقد أمدني الله بطاقة إيمانية
وقدرة على الصبر تغلبت بهما على هذه
المحنة.
امرأة بمليون دولار
- هل كان ثمة كلام بينك وبين
المختطفين، وما شكل الحوارات التي كانت
تجري بينك وبينهم؟
قضيت طيلة فترة اختطافي 58 يومًا
وأنا معصوبة العينين وخلال هذه الفترة
تحاورت معهم في مسائل عدة، منها: قوات
الاحتلال الأمريكي، والفتنة التي تحدث في
العراق والحملة على الإسلام... إلخ، كانت
رسالتي لهم أن البرلمان العراقي مكون من
شيعة وسنة وأكراد وكلهم اتحدوا حول مصلحة
العراق، فلماذا إذن تجرون الوطن إلى هذه
الفتنة، فأنا من عشيرة كبيرة في العراق،
وهذه العشيرة كادت أن تبدأ بالقتال مع
الشيعة بسببي، فأنا أول امرأة يتم خطفها
بالعراق.
كانت الأيام تمر بصعوبة شديدة،
والمفاوضات مستمرة، ونتيجة للضغوط
المتكررة من زوجي والبرلمان العراقي الذي
اتحد بكافة اتجاهاته السياسية من أجل
قضيتي، وقد علق جميع أعضائه بادج "الحرية
لتيسير".
وفي البداية طلب المختطفون فدية
مليون دولار من أجل إطلاق سراحي، لكن
مشكلة الفدية أن الجهة المختطفة تأخذ
الفدية، وتقتل الرهينة فهم مجرمون، وقد
سرقوا كل متعلقاتي أثناء اختطافي؛ ولذلك
اقترحوا آلية لضمان سلامتي، وهي أن يكون
هناك وسيط يسلم النقود ويستلم الرهينة،
لكنها لم تتم.
في الأسبوع الأخير وبعد 56 يومًا
جاء أحدهم وأخبرني أنه يكلمني بصدق وإخلاص
وأن مسألة الإفراج عن المعتقلين مسألة
صعبة، ولا يمكن لجبهة التوافق الوصول إلى
أي شيء. فقلت أخيرًا: إنسانيتكم ورحمتكم،
أنا في رحمة الله وأنا أم لطفلين، وخصوصية
المجتمع العراقي لا تتحمل أن تبقى امرأة
عندكم.
وفي يوم الجمعة بعد أذان المغرب
قالوا لي: سيكون يوم السبت أو الأحد إطلاق
سراحك.
فكنت بين مصدقة أو مكذبة لا أعلم؟!
لكني وضعت الأمور كلها بيد الله؛ لأنني
تعبت ومللت من كثرة الوعود، وظللت أردد في
داخلي إن الجماعة في الخارج حاولوا قدر
المستطاع وربما لم يصلوا لشيء. وفي يوم
السبت جاء التأكيد على خروجي من عندهم،
وعند الساعة الثالثة من بعد الظهر أخبروا
أهلي أن تيسير تتهيأ للخروج.
جنديات مجهولات
- ما الذي تركته تجربة الاختطاف
في حياة تيسير المشهداني؟
توقع الكثيرون أنني لن أزاول
العمل السياسي، ولكني عاودت العمل بعد
الإفراج عني، فأنا مهندسة وأرغب في إخراج
بلدي من محنته حتى لو كان الثمن حياتي، فقد
أقسمنا نحن مرشحي الحزب الإسلامي العراقي
بالإخلاص للوطن، فهي أمانة حملتني إياها
جبهة التوافق، فهذه المحنة لم تزدني إلا
إيمانًا على إيماني وإصرارًا على المضي في
طريقي.
وأريد أن أقول إن الأزمات صنعت من
المرأة العراقية جنديات مجهولات في ميدان
الحياة، فإبان الحصار منذ 1990 إلى 2003 وسقوط
النظام العراقي، كانت فترة صعبة خاصة على
المرأة؛ لأنها كانت تعمل المستحيل حتى
تقود سفينة الحياة التي كانت تسير في بحار
الحرمان والجوع والتشرد، فقد أكلنا أردأ
أنواع الدقيق، ولم نجد زجاجة الدواء
لأطفالنا، ولكن تحملنا؛ لأن ظلم صدام كان
يشمل الكل سنة وشيعة وأكرادًا.
- كنائبة برلمان عراقية ما هي أهم
الملفات التي تناقشينها؟ وكيف تقضين
يومك؟
يأتي ملف المعتقلات العراقيات
لدى القوات الأمريكية على قائمة
اهتماماتي فهناك 15 امرأة عراقية داخل
المعتقلات دون جريمة تذكر، من بينهن أمهات
لأطفال صغار، وهناك ملف تعديل الدستور
بكافة مواده، وبشكل عام فإن الملف الأكثر
أهمية هو الملف الأمني، وبالتأكيد يومي
مؤلم وليس به شيء مفرح على الإطلاق، أبدأ
يومي في لجنة العمل والخدمات بالبرلمان،
وخلال اليوم تأتيني اتصالات بأن فلانًا
مات وآخر اختطف، وعندما أسمع عن جريمة خطف
أشعر بالألم والقشعريرة، وأستحضر الظروف
التي مررت بها، لكن أسعى بقدر الإمكان إلى
المساعدة في الإفراج عن المختطفين.
سياسيات بلا خبرة
- ماذا عن الوضع الاجتماعي للمرأة
العراقية؟ وهل التمثيل السياسي للمرأة
العراقية بالبرلمان من الممكن أن يسهم في
إخراجها من وضعها السيئ على كافة
المستويات؟
دخول المرأة للبرلمان كان صعبًا
جدًّا في عهد صدام، كان أغلب عمل المرأة
تربويًّا، الآن أخذت المرأة العراقية
فرصة سياسية فهناك 72 مقعدًا للنساء داخل
البرلمان، وهو أكثر تمثيل سياسي للمرأة
بالبرلمانات العربية، وقد أنشأنا مكتبًا
لشئون المرأة تحت لواء الحزب الإسلامي
يتبنى الرؤية الإسلامية في قضايا المرأة،
ويبقى دور المرأة نفسها كناشطة ترغب في
الحصول على حقوقها، ففي كتلة التوافق
قررنا أن نضع لائحة للنساء، وهي ثقافة
السلام، وقد دعتني السيدة سوزان مبارك من
أجل المساهمة في هذا الدور، وسوف ننشئ
حركة هي "حركة البرلمانيات العراقيات
من أجل السلام".
ورغم الاحتلال والظروف السيئة
فإننا كعراقيات نسعى إلى الاستغلال
الأمثل لإمكانيات الواقع، ونعمل على فرض
وجودنا من خلال الانخراط بالعمل التربوي
والدعوي، أما العمل السياسي فلم يكن لدينا
الخبرة لممارسته، ولكن الدخول إلى
البرلمان بجانب الرجل يُعَدّ خطوة
إيجابية لمشاركة المرأة في العمل
السياسي، لكن لا تزال هناك نقاشات وقرارات
لا تشترك فيها المرأة؛ بسبب الوضع الأمني
وقد تكون قرارات مهمة.
وأود أن أؤكد أنه رغم التمثيل
السياسي فإن المرأة العراقية لا تزال تضرب
وتقتل وتعتقل وتهجر مع زوجها وأطفالها من
مناطق سنية أو شيعية داخل العراق، وهذه
إحدى ثمار الديمقراطية التي أتى بها
الاحتلال الأمريكي.
أسر في مهب الريح
- الأسرة العراقية في مواجهة
الضغط الخارجي والتحدي الداخلي.. كيف
تصفين المشهد من داخل البيوت العراقية؟
بشكل عام الأسرة العراقية أسرة
متكاتفة ومتعاونة، وظلت محافظة على
تماسكها طيلة سنوات الحصار، أما الآن
فالأسرة العراقية مهددة بالتهجير من
منطقة سنية إلى شيعية أو من سنية إلى
كردية، وأثناء التهجير تسكن الأسرة في
خيمة وتواجه ظروف التشرد وغياب مصدر ثابت
للعيش، هذا بخلاف أن المرأة تواجه تحديًا
مزدوجًا؛ لأن مناطق التهجير تصبح حكرًا
لأهل مذهب أو طائفة، وهذا يجعل المرأة
تخاف الدخول إلى هذه المنطقة.
ونتيجة لمقتل الكثير من أرباب
الأسر من الرجال اضطرت النساء الأرامل
وأغلبهن في العشرينيات من عمرهن إلى
الخروج والبحث عن فرصة عمل حتى تعول
أولادها، فمثلاً تعمل بعض النساء من
حاملات الشهادات بالخدمة في المنازل، ولم
يكن هذا موجودًا بالعراق، فأغلب المجتمع
العراقي يتكون من عشائر لا تقبل هذا
العمل، لكن تحت وطأة الحاجة تقبل المرأة،
وقد تتعرض في ظل هذا الوضع إلى الأذى
الجسدي أو التعذيب، والجيل الصاعد من
الأبناء لم يأخذ الرعاية الأبوية
الكافية، وتسعى المرأة كعائلة لأسرتها
إلى تعويض هذا الدور.
المجتمع المدني
- أين دور منظمات المجتمع المدني
ودور مؤسسات الدولة في مساعدة النساء
الأرامل اللاتي لا يكون لهنّ أولياء بعد
تشرد الزوج أو الأخ أو العائل؟
منظمات المجتمع المدني تنفذ
أجندة خارجية، لكن هناك قانون حماية
الشئون الاجتماعية، وهذا القانون يحاول
أن يوفر للنساء الدخل المادي، وشملت الخطة
مليون عراقي في 2005، وتستهدف مليونين في 2006،
وهناك قروض استثمارية صغيرة بدون فائدة،
سيبدأ منحها في بداية 2007 من خلال هذه
القروض تستطيع المرأة عمل مشروع صغير تصرف
به على أسرتها. ولا تنتهي مهمتنا بإعطائها
القرض فقط، ولكن نحن نستمر في متابعتها،
ونحاول أن نوفر لها الطرق التي تسوق بها
إنتاجها.
- ماذا تفعلين بعد عودتك إلى
المنزل؟ وماذا عن دور زوجك في حياتك؟
عندما أذهب إلى البرلمان فأنا
امرأة سياسية وعندما أكون بالبيت فأنا
زوجة تطيع زوجها وتقوم بمسئولية نظافة
البيت ورعاية الأولاد، وإعداد الطعام مثل
أي امرأة عراقية، فأنا مثلاً لا أشتري
الخبز من خارج المنزل، ولكن هناك تنور (فرن
منزلي) لإعداد الخبز المنزلي بنفسي، أما
زوجي فقد كان بطل المحنة التي مررت بها؛
لأنه كان قائد هذه المفاوضات التي انتهت
بالإفراج عني، وأدعو الله تعالى دائمًا أن
يوفقه ويحفظه لي.
|