بريدك الالكتروني


English

 

الأحد  20 ذي القعدة 1427 هـ -10/12/2006 م

شخصيات نسائية » صوت النساء » حواء وآدم
أرسل لصديق
 
روابط من إسلام أون لاين

 

هبة العزاوي.. صوت العراقيات المحتل

أحمد المتبولي** 

الصحفية العراقية هبة العزاوي

حاربت بقلمها ووقفت بكلمتها أمام جحافل الاحتلال الأمريكي في العراق متحدية فوهات البنادق بطلقات قلمها الحادة المدافعة عن المرأة العراقية ضد الانتهاكات التي يمارسها الجنود الأمريكيون ليل نهار بحق المواطن العراقي المسالم الأعزل.

"هبة العزاوي".. صحفية عراقية، من مواليد 1982 بحي "الدورة" ببغداد ناضلت وما زالت تناضل من أجل نصرة المرأة العراقية ضد الانتهاكات اليومية التي تمارسها قوات الاحتلال الأمريكية بالعراق منذ عام 2003، وتلاقي في مقابل ذلك، إضافة إلى متاعب مهنة الصحافة، خطر الموت جراء أعمال المداهمات والتفجيرات التي لا تخلو منها مدن العراق، وخاصة العاصمة بغداد.

ويشاء القدر أن تصاب هبة بورم سرطاني خبيث نتيجة قصف الحي الذي تسكنه باليورانيوم أول أيام الاحتلال في 2003، سافرت على إثره إلى النمسا أملا في تحقق الشفاء على يد الأطباء النمساويين بعد أن تصحر العراق من الأطباء وآلت الأوضاع في مشافيه إلى أسوأ حال.

وعن معاناتها مع الاحتلال ومع المرض التقت بها شبكة "إسلام أون لاين.نت" بمستشفى فيينا العام وسط العاصمة النمساوية، حيث ترقد للعلاج.

في فيينا

* متى بدأت العمل في مجال الصحافة، ولماذا اخترت هذا المجال؟.

- ما زلت حديثة عهد بالصحافة؛ فقد امتهنت العمل الصحفي منذ ما يزيد عن عام واحد بقليل بموقع الرابطة العراقية الإخباري، المعني برصد الانتهاكات اليومية التي تحدث في العراق.

وتضيف: وجدت في هذا المجال الشائك، في ظل الأوضاع اليومية المتردية التي نعيشها في العراق، الخندق الصحيح لمواجهة جيش أقوى دولة في العالم، خاصة في ظل ما يتم ممارسته من انتهاكات بحق العراقيين، وما يستجد من تجاوزات تحت مرأى ومسمع من المواطنين العراقيين الذين لا يجدون من يوصل صوتهم للمجتمع الدولي والعالم الخارجي لينقذهم من الوحش الأمريكي الذي يصور نفسه كالقائم بدور المصلح في العراق الذي لم يفسد إلا بوجوده فيه.

من أجل هذا اخترت المحاربة بالقلم، والوقوف إلى جانب الضعفاء ومعدومي الصوت، وهو ما فعلته منذ فترة ليست بالطويلة، ومستعدة لمواصلته حتى يقضي الله أجلا.

* وما سبب انضمامك للرابطة العراقية تحديدا؟.

- أنا مهتمة برفع أنين الضعفاء من العراقيين إلى الرأي العام. والرابطة العراقية التي تأسست عقب الاحتلال في 2003 تهتم برصد الانتهاكات التي تحدث في العراق، سواء من قوات الاحتلال الأمريكية أو مما يسمى فرق الموت، أو أي نوع من الانتهاكات أيا كان مصدرها والجهة التي تنفذها. فالهدف هو فضح هذه الانتهاكات.

وما دفعني للانضمام إلى الرابطة، رغم أن عملي بها تطوعي دون مقابل، هو أن طاقمها يهتم وبدقة بالتأكد من حقيقة كل ما ينشر، وكل خبر يكون موثقا إما بالصوت أو بالصورة أو كليهما معا. فالقضية التي يجب أن تكون مفهومة أن رصد الانتهاكات ليس مجرد خبر صحفي، بل هو اتهام لطرف معين بالاعتداء على طرف آخر، ويجب أن يكون هناك تأكد تام من حقيقة الحدث.

والسبب الذي لا يقل أهمية عما سبق، هو أن موقع الرابطة الإخباري غير طائفي؛ فلا ينحاز إلى مذهب أو عرق على حساب آخر، إنما يرصد الانتهاكات التي يتعرض لها أبناء العراق من كل المذاهب والأعراق؛ فلي زملاء مراسلون من المسيحيين والأكراد والشيعة.

لقاء المجني عليه

* كيف يخرج الخبر من قلمك إلى القارئ؟.

- لا يخفى على أحد درجة السوء التي وصلت إليها الأوضاع المعيشية والأمنية في العراق، ولرصد ومتابعة ما يحدث يجب عليك أن تكون مترقبا للاغتيال في أية لحظة. وأنا متخصصة برصد وعرض الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة العراقية تحديدا، أما بقية الأحداث فلها طاقم متخصص من زملائي المراسلين.

أما ما يحدث فيما وراء الخبر فيبدأ بالحصول على المعلومة عن الشخصيات والجهة التي وقع عليها وفيها الانتهاك. وبمجرد وصول المعلومة أجري اتصالات فورية مع المقربين من الحدث لأستشف قدرة المجني عليه على إجراء اللقاء الصحفي.

وما أن أصل إلى المكان حتى أجري أمرا معتادا لدينا، وهو جعل الشاهد يقسم بصحة رواية الحدث الذي أنا بصدد تغطيته، خاصة أن هناك كثيرين يرغبون في إضفاء نوع من الإثارة والمبالغة على الأحداث. كما أن هناك من يرفضون التحدث أصلا.

* المجتمع العراقي مجتمع شرقي يحافظ على التقاليد والموروثات، مثله في ذلك مثل بقية دول العالم العربي والإسلامي. فكيف تستخرجين الكلمات من أفواه من يتعرضون للانتهاكات، خاصة التي تختص بالكرامة والشرف؟.

- بطبيعة الحال يزداد الأمر تعقيدا عندما ترغب في عرض قضية تمس العرض، وهناك قضايا صعبة الذكر والطبيعة الاجتماعية تمنع المجني عليه من القص، وتحتاج إلى إدخال الثقة والاطمئنان إلى نفس المتحدث حتى يتمكن من عرض قضيته صحيحة دون زيادة أو نقصان.

وذكر لي أحد الزملاء الذي عرف بفضيحة سجن أبو غريب قبل ظهورها إعلاميا أنه التقى مسئولا عن أحد المنابر الإعلامية في العراق وعرض عليه نشر تفاصيل هذه الفضيحة، إلا أنه خشي المردود العراقي الداخلي على مثل هذه القضية. ولكن زميلي أبى إلا أن يواصل السعي حتى يظهر بشاعة الاحتلال وكيفية تعامله مع العراقيين، وتمكن بالتعاون مع "المركز الدولي لرصد الاحتلال" من وضع تفاصيل القضية بين يدي صحفي أمريكي بصحيفة "نيويوركر"، والذي اهتم بالقضية وتمكن من الحصول على الصور المكملة للملف، وكانت صحيفته أول من عرض الفضيحة الأمريكية.

وأود هنا أن ألفت إلى أن الناس في العراق يخافون الكلام والحكي وهذا متوارث عندنا، ولكن لما وجدنا الصحافة الأجنبية تنشر ما يحدث من انتهاكات، صارت هناك شجاعة ورغبة في التحدث.

حكاية نهرين

* هل هناك انتهاكات تمكنت من رصدها، وظلت باقية في ذاكرتك؟

- بعض الأحداث تمر أمام عيني على مدار اليوم، ولا تفارقني مشاهدها حتى هذه اللحظة. لكن تحضرني الآن قصة "نهرين" وزوجها؛ فقد كانت نهرين شيعية المذهب وزوجها سنيا يقيمان مع أبنائهما بإحدى قرى "الخالص"، واقتحم عليهم الجنود الأمريكيون دارهما وفتحوا النار على جميع من كان بالمكان، فأردوهم جميعا قتلى. ومن حقارة جنود الاحتلال وضعوا البندقية على صدر "نهرين"، في إشارة إلى أنها من قامت بالقتل، إلا أن هيئتها وهي مقتولة وطفلها الرضيع بين يديها فضحتهم.

فتاة أخرى، هي "إيمان عطية الجبوري"، عمرها 16 سنة، ابنة لعائلة فقيرة تسكن جنوب منطقة "الدورة" ببغداد، كان أبوها يعمل حارسا بمزرعة. وبطبيعة عمله يخرج في الليل للاطمئنان على المنطقة، ولدى خروجه في إحدى الليالي أرداه الأمريكيون قتيلا، فأصيبت "إيمان" بردة فعل نفسية عنيفة لمشهد مقتل أبيها. وبعد أشهر من الحادث داهمت قوات الاحتلال بيت إيمان مرة أخرى، في إطار عملية تمشيط للمنطقة. وكانت بصحبتهم مترجمة عربية تلفظت بألفاظ نابية، فما كان من إيمان إلا أن انقضت عليها ولم يخلصها من يديها إلا ضربات من بنادق الجنود على مؤخر رأسها. واقتيدت إيمان لمعتقل أمريكي في مطار بغداد ومكثت هناك قرابة الشهرين. وساهمت الرابطة في رفع القضية إلى الرأي العام العالمي وما زال إخوانها معتقلين حتى الآن.

* الصحافة هي مهنة البحث عن المتاعب.. ولكن يبدو في ظل الأوضاع المتردية في العراق أنها مهنة البحث عن الموت؟.

- دون شك أن امتهان الصحافة يصاحبه الخطر، خاصة في بؤر الصراع، كالعراق وفلسطين وأفغانستان. أما عن المشهد العراقي فالمخاطر التي يتعرض لها الصحفي كبيرة للغاية بسبب السيارات المفخخة المنتشرة في الطرقات، وعمليات التفجير المنظمة التي تودي بحياة المئات من أبناء الشعب العراقي يوميا. إضافة إلى الطرق المغلقة بالحواجز والتي تعرقل سير العمل الذي أرغب في تأديته. وأنا أتحدث هنا عن النطاق الضيق، عن بغداد. وهذا التوصيف ينسحب على جل المدن العراقية، ومع هذه المخاطر الأمنية استحالت حياة المواطنين إلى جحيم فلزموا ديارهم. أما الصحفي فيأبى إلا أن يذهب إلى خط النار، وربما يبرر ذلك فقد عشرات الصحفيين، إلى جانب استهداف قوات الاحتلال صحفيين آخرين. ناهيك عن التهديدات المستمرة بالقتل إذا لم يتم التوقف عن رصد الانتهاكات.

كما أنك كصحفي تحاول دائما التحايل على نقاط التفتيش أو الحصار المضروب حول مدينة أو قرية ما، فتحاول دائما أن تخفي أدواتك حتى لا تكشف. فالجندي الأمريكي يقسو عليك كثيرا عندما يعثر معك على آلة تصوير على سبيل المثال. فالصحفي العراقي لا يظهر هويته؛ فهو يحترس من جميع الجهات، حتى الصحفيون من جانب حكومي؛ فالأمريكان ينقضون على كل من يريد تغطية إعلامية، رغبة منهم في إظهار أرباع أو أنصاف حقائق أو نقل صور مشوهة عن الأحداث.

الضيف اللعين

* هذا عن محاربتك للاحتلال؛ فماذا عن محاربتك للمرض؟.

- تعرضت منطقتنا بحي "الدورة" ببغداد لقصف أمريكي باليورانيوم المنضب في أوائل أيام الاحتلال، أصيب على إثره العديد من أبناء المنطقة بأمراض كثيرة وتشوهات، وكنت على يقين أنني سأكون ضمن من سيتأثرون بالإشعاع، وثابرت لتأهيل نفسي داخليا لاستقبال هذا الضيف اللعين.

وفي شهر إبريل 2006 بدأت أشعر بضيق في التنفس أخذ يتنامى لدرجة لم تعد تحتمل. ومع حلول شهر أغسطس من نفس العام توجهت إلى مستشفى الجراحة التخصصية ببغداد لعمل تحاليل طبية وأشعة لتشخيص المرض كلفتني مبالغ طائلة من المال. ورغم ذلك فالإمكانيات بالمستشفى كانت متواضعة للغاية إلى جانب قلة الدعم الطبي، بسبب استشهاد عدد كبير من الأطباء.

ومع تدهور الحالة صارحني الأطباء بحقيقة المرض المتمثل في ورم سرطاني خبيث بمنطقة الصدر، مع وجود أمل في الشفاء. إلا أن تكلفة العلاج عالية للغاية أنوء بحملها أنا وزوجي، فأطلقت الرابطة العراقية حملة على صفحتها الإلكترونية لدعم علاجي.

وبوساطة أهل الخير تواصلنا مع المهندس أحمد حميد رئيس هيئة إغاثة العراق بالنمسا، المعنية بدعم المضارين من العراقيين، والذي أبدى استعداد الهيئة لاستقبالي والمشاركة في تحمل نفقات الانتقال ومواصلة رحلة العلاج التي تستغرق 6 أشهر.

وخلال رحلة السفر إلى النمسا توقفنا بعمان؛ حيث ازدادت حالتي سوءًا ودخلت المستشفى هناك لتناول جرعات من العلاج الكيماوي.

وهنا في النمسا ألحقت وزوجي بسكن خاص وفرته لنا الهيئة، ثم نقلت إلى المستشفى؛ حيث أرقد الآن.


** مراسل شبكة "إسلام أون لاين.نت" في النمسا، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للصفحة adam@iolteam.com 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع