بريدك الالكتروني


English

 

12:00 مكة - الأثنين 23 جمادى الأولى 1427 هـ - 19/6/2006 م

اقتصاديات عربية عامة » قضايا اقتصادية » نماء
أرسل لصديق
 
 
 

 

تشفير رائحة الزهور

مصباح قطب**

انفراد بحرمان محبي كرة القدم من المشاهدة

ما لون الحياة وما طعمها لو قرر كل عازف ناي تشفير نغماته؟ هل سيستقيل الشجن حزنا ساعتها أم يعتزل النيل سريانه؟ الحياة كالثورة تأكل أبناءها؛ فالناس العاديون الذين يبدعون فنونهم كل يوم ويطلقونها في الهواء، من أول نقش الحناء على الأكف إلى طرق "التغزيل" في كرة القدم، لا ينتظرون جزاء ولا شكورا؛ هؤلاء الناس هم أكثر من يتعرض للحرمان من المباهج في زماننا هذا.

رأسمالة الكون

التسليع قانون الوجود الراهن، وعلى من يعترض أن يخبط دماغه في أي حائط صد. لن يهدأ للرأسمال الكوني بال حتى يقيم مشروعًا حول آخر مشمشة مزهرة عند آخر طرف لحقل لم تتم "بزنسته"، دراسات الجدوى المالية هي دستور العمل، فهل نجرؤ على الخروج على مبادئ الدستور؟.

إن التحويل الذي تم بسيط.. فسقراط كان يقول إن الاقتصاد هو علم تحقيق المنافع للناس، وجيل بلاتر والفيفا وبعض المعولمين يؤكدون: حقا.. المنافع لناس بعينهم، أي شركات البث الحصري وشركات الملابس الرياضية ومصانع الكرات ومصانع ومتاجر الأعلام والمساحيق وشركات السياحة والطيران والفنادق، ووسطاء تجارة اللاعبين وموردي المستلزمات للأندية.. ومقاولي الملاعب والمستشارين والخبراء.. والصحف والقنوات المتخصصة ووكالات الإعلان وتجار انتخابات النوادي والاتحادات.. وشركات العلاقات العامة المعنية.. وباعة مستقبلات البث التي سيبلغ عدد الأجهزة المباعة منها بمصر هذا العام 2006 نحو 700 ألف جهاز، ولا ننسى أيضا منتجي وتجار الشاشات البلازمية الكبيرة، وتجار السياسة الذين أفسدوا عملية المشاهدة، أي حولوها إلى عمل حزبي وانتخابي، بدلا من أن يدخلوا في تفاوض محترم مع صاحب الحق الحصري، لإتاحة المشاهدة على القنوات الأرضية لعموم الناس.

"ياه".. الناس في بلادي طيبون، فقد أمضينا ثلاثين عاما نلعن الشمولية التي حرمت البشر من حيازة التليفزيونات، اكتفاء بوضع أجهزة من هيئة الاستعلامات في المواقع المناسبة، الآن دار الزمن دورته، وعادت الرأسمالية غير الشمولية لتقدم الخدمة ذاتها، شاشة كبيرة في هذا الموقع أو ذاك، خدمة من هذا الزعيم أو الوزير أو نائب الشعب أو ذاك، لنشاهد وقوفا في الشوارع ما كان يجب أن نراه في بيوتنا.

المعضلة معروفة -حتى لا يردنا أحد- الاحتراف الذي يقف وراء المتعة المتحصلة من المشاهدة، وقوة الأداء لها ثمن، وبالتالي فإن استخدام مهارات التسويق وكل الحيل البيعية لعمل إيرادات أمر مباح لتدبير التمويل اللازم، لا خلاف ولكن يا لها من فكرة فاشية أن يكون للاحتراف وللمتعة طريق واحد هو البزنس؟ ثم هل تساءل أحد حول الشبكات الدولية والمحلية المستفيدة من تضخيم التكاليف؟.

ثم من قال إن محترفين بغير فلوس نظام مستحيل؟ سيأتي زمن على هذا العالم –أكيد لن نراه- سيتبارى فيه الناس، ضمن نظام آخر، مقدمين أبدع ما لديهم من دون تشفير. إن أحدا لم يُعلم الصبية الصغار في السيدة زينب وحي المرج(1) -أهم منتج للحريفة الكرويين في مصر- كل هذا الجمال الذي يؤدون به، وساعة ولدت مواهبهم لم يكونوا محترفين. وكم ضيع الاحتراف الذي يكون في الآخر مجرد تركيز الأضواء على أعداد محدودة في العالم كله، من مواهب سحقتها بلادة تجار ووسطاء وكشافين لم يروا منفعة سريعة في تبني هذه المواهب، أو وجدوا أنهم رافضون مبدأ المناصفة بربح الاحتراف.

لو تتبع أحد تاريخ مواهب كرة القدم المحطمة بسبب ظروف اجتماعية أو مجتمعية أو حكومية، لوجد قصصًا يشيب لهولها الوجدان، كم عدد الذين منعهم أهلوهم من اللعب وكانوا يتحايلون ويلعبون حتى وأذرعهم في الجبيرة ثم رضخوا في النهاية؟!! كم عدد المواهب التي حطمتها المؤامرات وعصابات تشغيل الساقطات لاستدراج اللاعبين السذج وتدميرهم ومن الذي يمول ذلك؟!.

الفكرة النبيلة.. تنهار

الفكرة النبيلة التي قام على أساسها الاتحاد الدولي لكرة القدم (باريس- 21 مايو- 1904) لجمع شباب العالم حول لعبة بدأت تسحر الجميع، تكاد أن تضيع تحت وقع سنابك خيل التجارة والتشفير. لقد عابوا على موسوليني في دورة 1934 بإيطاليا استغلاله للبطولة في الدعاية السياسية الفاشية، وكذا على هتلر في أولمبياد 1936، فما هو الفارق بين الدعاية السياسية هذه وبين استبداد رأس المال الرياضي الذي يحرم الملايين ممن لا يملكون ثمن الفرجة؟

أكاد أدعو إلى أن تتدخل الأمم المتحدة بتقنين دولي يحدد المتع البريئة العالمية التي يجب أن تتاح للجميع ومن بينها كرة القدم. إن السحر الكامن في الكرة ينبع أساسا من أن الصراع فيها يجري على بساط أخضر -لون الروح- أي بلا دسائس ولا مؤامرات ولا عنف، وأن قواعدها المنضبطة تحوز رضا الجميع، وتلبي أشواقهم إلى نظام عادل للتباري في كل مجال، فلماذا لا يأخذ البزنس العالمي الموعظة من ذلك؟.

استنزاف المهارات

ولم يلزم الحرمان في كرة القدم حدود المشاهدة فقط؛ بل امتد إلى نزح موارد الشعوب الفقيرة من المهارات -وكأنه لا يكفي استنزاف عقولها- حيث تنتشر الآن في عدة دول ظاهرة قيام شركات المياه الغازية بتنظيم دورات مدرسية في كرة القدم، هدفها الحقيقي، مع الدعاية للمشروبات، اقتناص المواهب بأبخس الأسعار وتصديرها.

أولئك الموهوبون الذين ابتكروا قديما، هم وأمثالهم من الفقراء في إفريقيا وأمريكا اللاتينية الألعاب التي تثير إعجاب الجمهور مثل: "الخرومة" -ويسمونها في الحواري "الفلس" أي تمرير الكرة من بين قدمي الخصم- والضربة المزدوجة الخلفية، وألعاب الكعب المختلفة، والتسديد بالرأس من الوضع طائرًا، والتمويهات الثعلبية الفاتنة، وبفضل تلك السياسات الرامية لاقتناص المواهب سنحرم من أولئك الذين أمتعونا في السهرات الكروية الرمضانية أمام ساحة السيد البدوي(2)، وأمام جامعة القاهرة، وفي ملاعب زينهم، وغيرها من أماكن في كل أرجاء مصر.

التشفير لن يكون آخر الأحزان

الخوف ألا يكون الحرمان الذي نتج عن تشفير مباريات كأس العالم آخر الأحزان، الأرض الخضراء للملعب وسط غابة أسمنت المدرجات.. والبحر.. وطلة على النيل.. والنايات.. أحد أهم حقوق الإنسان التي يجب الحفاظ عليها.

فهناك ألف طريقة لتمويل الكرة غير حرمان الناس العادية من فن هم مبدعوه، إنني أوافق أحد كتاب "لوموند" الذي قال تعليقا على أحداث في فنزويلا: إن الناس هناك تكره النظام الجمهوري كالملك، ولا تريد الليبرالية ولا الماركسية، وهي ضد الاشتراكية وضد الرأسمالية، وكل ما يطلبونه هو نظام يتركهم في حالهم، ويؤمن لهم حدا أدنى من الأرض والمياه ومن الحفاظ على نظمهم البيئية.

وختاما.. تطفلوا على كل شيء واتركوا كرة القدم.


** مساعد رئيس تحرير صحيفة الأهالي المصرية.

(1) أحياء شعبية قديمة من أحياء القاهرة.

(2) مسجد شهير بمدينة طنطا بدلتا مصر.

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع