 |
|
متى تتكرر هذه الصورة بكل المؤسسات العربية؟ |
مع حلول فصل الصيف والحصول على
الإجازة الصيفية يتجه الكثيرون إلى البحث
عن فرصة عمل مناسبة تضمن لهم توفير نفقات
الدراسة، ومع التماسنا العذر لهؤلاء
الطلاب بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة
التي تدفعهم لذلك، فإن الاتجاه إلى
التدريب في أعمال تتناسب وتخصصاتهم التي
التحقوا بها في الجامعات أو المدارس
الثانوية الفنية لا بد أن يأخذ جانبا من
أوقاتهم؛ وذلك حتى لا تكون بينهم وبين
الوظيفة التي يريدونها مسافة شاسعة
فيجدوا أنفسهم بعد التخرج عرضة إما
للانضمام لصفوف العاطلين أو العمل بأجر
أقل مما يستحقونه ليحصلوا على الخبرة
المطلوبة أو ينصرفوا إلى عمل آخر في غير
تخصصهم؛ وهو ما يؤدي إلى تبديد الموارد
البشرية والمادية المتاحة، التي إن أحسن
توظيفها لتحققت خطوات مطلوبة على طريق
التنمية.
ولعل واقعة العرض الإيطالي
بتوفير 3000 فرصة عمل للمصريين ونجاح 35
متقدما في الاختبارات اللازمة لهذه
الوظائف فقط، أي نحو 1.1% هي خير دليل على
أهمية التدريب. وقد تكررت مثل هذه الواقعة
في العديد من المؤسسات خاصة الشركات
الأجنبية التي تضطر إلى استقدام عاملين من
الخارج لعدم توافر اليد العاملة الماهرة.
واستقدام العمالة الأجنبية الماهرة واقع
أكده السيد نجيب ساويرس رجل الأعمال
المصري؛ حيث أكد بإحدى مداخلاته بمؤتمر
دافوس الشرق الأوسط هذا العام 2006 أن شركاته بها عدد كبير نسبيا من المتخصصين اللبنانيين؛ حيث يمتازون بالمهارة العالية، وهو كصاحب استثمار يهمه بالمقام
الأول كفاءة العمل المقدم من شركاته.
وهذه السلبية لا تخص مصر فحسب، بل
هي للأسف سمة عامة بكل الأقطار العربية؛
ففي السعودية مثلاً توجد معدلات عالية من
البطالة بين خريجي الجامعات؛ لأن معظم
الخريجين من الحاصلين على مؤهلات نظرية لا
تؤهلهم لسوق العمل، وليس بالجديد القول
بأن مؤسساتنا التعليمية تتحمل جانبا
كبيرا من مسئولية هذا الأمر؛ فهي تنظر له
على أنه ترف، مع أن الواقع المعمول به بكل
دول العالم غير ذلك تماما، وليس أدل على
ذلك من القصة التي ذكر تفاصيلها الكاتب
الكبير سلامة أحمد سلامة في جريدة الأهرام
المصرية يوم 25 مايو 2006، التي قال فيها: "إن
أحد رؤساء الدول الغربية توقف بمطار
القاهرة في أثناء رحلته لإحدى الدول، وكان
بصحبته أربعة من طلاب الجامعات ضمن الوفد
المرافق له، وبيّن هذا الرئيس سبب وجود
الطلاب في وفده بأن هؤلاء الطلاب متفوقون،
وأنهم يدربون على مواجهة المواقف، وحتى
يكون انتماؤهم لوطنهم من الممارسة
العملية".
متطلبات التدريب الجيد
-
لا بد في البداية التركيز على
المكون الثقافي وأهميته في هذه المسألة؛
إذ ينبغي أن تكون هناك قناعة لدى أطراف
عملية التدريب بأهميته، بحيث يدرك أصحاب
الأعمال بأنه استثمار طويل الأجل في القوى
العاملة، وأنهم بذلك يوفرون أموالا يمكن
أن ينفقوها على تدريب هؤلاء الطلاب عند
دخولهم لسوق العمل عندما يلتحقون بتلك
المصانع وعقولهم مرتبطة بتعليم نظري بعيد
عن الواقع، كما ينبغي أن يستوعب الطلاب أن
التدريب ليس بالضرورة أن يكون قاصرا فقط
على عمليات فنية بحتة؛ فهناك بعض الأعمال
تحتاج إليها المؤسسة التي يتدربون بها وقد
تكون في التصنيف الإداري أو التنظيمي،
وهذا بالضرورة لا ينقص من قدرهم بل يعطيهم
أفقا أوسع لأعمال هذه المؤسسات. أما الطرف
الأخير فهم أولياء الأمور؛ فلا بد أن
يدركوا أن العائد المادي قد يكون منعدما
أو سلبيا خلال فترة التدريب.
-
أن يكون لمنظمات الأعمال دور،
باعتبار أن هذا العمل يصب في مجال العمل
الاجتماعي للقطاع الخاص، فتشجع منظمات
الأعمال أعضاءها على وجود برامج لتدريب
الطلاب، بأي حجم، مهما كان مستوى وحجم
العمالة بسيطا بها، فتدريب طالب واحد يعد
إضافة من قبل أي مصنع أو مؤسسة.
-
أن يجد الطلاب مناخا يشعرون فيه
بالإضافة الحقيقة خلال فترة التدريب داخل
المؤسسات المستضيفة لهم، من خلال عدم
التفرقة بينهم وبين باقي العاملين
بالمؤسسة على المستوى الإنساني، مثل
استخدام وسائل الانتقال المتاحة للعاملين
للانتقال من وإلى محل إقامتهم، والحصول
على وجبات الطعام التي تعطى للعاملين في
أثناء يوم العمل، ويكون التدريب من خلال
برنامج وليس تدريبا عشوائيا بحيث يقضي
الطالب المتدرب فترة التدريب خلال دورة
كاملة على مراحل عمليات الإنتاج داخل
المؤسسة، وليس شرطا أن تكتمل الدورة
التدريبية خلال صيف واحد.
-
أن تشجع الحكومة مؤسساتها
ومؤسسات القطاع الخاص على تنفيذ برامج
تدريب الطلاب، من خلال مجموعة من الحوافز
الضريبية أو المعنوية، ولا مانع أن تضع له
ضوابط تحفيزية للطلاب بأن يكون التدريب
للمتفوقين أولاً، ثم الذين يلونهم، ولا
مانع أن يدرج البرنامج ضمن خطة الدولة
الداعمة للتدريب من خلال الموازنة العامة
للدولة، بحيث يُعطى هؤلاء الطلاب أو
المتميزون منهم مكافآت مادية.
-
ألا يقتصر التدريب على طلاب
الكليات العملية أو التعليم الفني
التطبيقي؛ بل يشمل أيضا أصحاب التخصصات
النظرية، والتدريب لهذه النوعية من
الممكن أن يأخذ اتجاهين: الأول تخصصهم في
إطار مؤسسات تمارس النشاط نفسه، أو أن
يوجّهوا لبرامج تدريب أخرى تناسب
إمكانياتهم وإن اختلفت مع تخصصاتهم، وهو
ما يمكن أن نطلق عليه "تدريب تحويلي
مبكر".
-
قد يكون المجتمع الأهلي أحد
الفاعلين في تنفيذ برامج تدريب الطلاب من
خلال إنشاء قواعد للمعلومات تجمع بين
الراغبين في التدريب من الطلاب وأصحاب
الأعمال سواء كانوا من القطاع الخاص أو
المؤسسات العامة. كما يمكن أن يكون دور
المجتمع الأهلي إقامة مراكز تدريب تكون
قاصرة على تدريب الطلاب، أو المساعدة في
تقديم العون لإنشاء ورش للتدريب بالمدارس
بالمعنى الحقيقي الذي يؤهلهم بالفعل
ليكونوا في عداد العمالة الماهرة. ويمكن
أن يكون لوحدات الإدارة المحلية دور هام
في هذا الصدد من خلال تشجيع المؤسسات
للإقدام على هذه الخطوة، مقابل إعفائهم من
بعض الرسوم التي تحصلها منهم.
الكيانات الكبيرة أنسب
للتدريب
وعن مشاكل تطبيق فكرة التدريب
يقول خالد العشري، مدير الشئون الفنية
بأحد المصانع بمدينة السادس من أكتوبر: إن
تعميمها صعب؛ لأنها تحتاج إلى إمكانيات
المصانع الكبيرة، فالمصانع الصغيرة
والمتوسطة ترى أن التدريب يعطل العمل خاصة
في فترات وجود أعمال صيانة، أما في
الأوضاع الطبيعية فإن الأمر لا يعدو كونه
شرحا لطريقة العمل ورؤية المتدرب لها على
الطبيعة، وإن كان التدريب الحقيقي يقتضي
ممارسة المتدرب في أوقات الصيانة ووجود
أعطال بالماكينات.
ويضيف بأن فرصة التدريب قد تكون
مناسبة لبعض المصانع التي تحتاج لعمالة
موسمية خاصة في فصل الصيف، فيمكنها أن
تحقق غرضين وهما: وجود عمالة بأجر منخفض من
قبل المتدربين، وتدريبهم بشكل غير مباشر
في الوقت نفسه.
أما طارق فاروق حسن الطالب بكلية
الهندسة فيؤكد أن المشكلة هي اعتماد
التدريب على "الواسطة"، فلا بد أن
يكون لدى الشخص واسطة حتى يجد الفرصة
سانحة، ويرجع ذلك للفكرة السائدة لدى
أصحاب المصانع بأن تدريب الطالب تكلفة،
وأنه قد يتلف في أثناء التدريب بعض الآلات
أو الخامات.
وعن التدريب بالكلية يضيف أنه
يوجد تدريب إجباري لمدة شهر لا بد أن نحصل
عليه، ويكون باتفاق الكلية مع المصانع
التي نذهب إليها، ولكن للأسف لا يضيف لنا
أي شيء لعدم اهتمام المصانع بقضية التدريب.
ويحكي طارق في هذا الإطار تجربة بعض
أصدقائه مع التدريب والتي كانت سلبية
للغاية، فكان معظمهم يتغيب عن التدريب،
وفى ختام الشهر نجحوا في الحصول على شهادة
تفيد تدربهم عن طريق أحد المعارف.
وهذا ما يدفعنا في النهاية إلى
التأكيد على أن التدريب يحتاج إلى ممارسة
جادة على كافة المستويات، وليس على مستوى
المصانع الكبيرة فحسب، صحيح أن المسألة قد
تكون صعبة في البداية، ولكن لا بد أن
نوليها الاهتمام الكافي لما تحققه من
فائدة على المستوى القومي.
|