بريدك الالكتروني


English

 

10:30(مكة) الأحد 20 جمادى الآخرة 1427هـ - 16/7/2006م

اقتصاديات عربية عامة » قضايا اقتصادية » نماء
أرسل لصديق
 
 
 

 

جيوش المستشارين تغزو الحكومات العربية

حازم يونس* وأحمد العمودي**

حقيبة المستشار يحملها كل من له واسطة

يبدو أن مسئولي الحكومات العربية لم يَعُد يكفيهم ذلك التضخم الرهيب في أعداد الموظفين بالمصالح الحكومية حتى إن العمل الذي يمكن أن يقوم به موظف واحد وبسهولة تجده موزعًا على خمسة وربما عشرة في بعض الأحيان، فأضافوا إلى ذلك نوعًا آخر من التضخم، ولكنه هذه المرة في المستشارين.

فتجد الوزير الواحد وقد عيّن أكثر من مستشار في مجال واحد من مجالات وزارته حتى بات مصطلح "مستشار الوزير للشئون..." متداولاً في وسائل الإعلام، لدرجة أصبحت معها العقول عاجزة عن إدراك عددهم، وربما عاجزة أيضًا عن إدراك إلى أي الوزارات ينتمون، خاصة عندما تجد المستشار الواحد وقد اختير لأداء هذه المهمة في أكثر من وزارة، وكأنه كما يقولون "عبقري زمانه".

ولذلك لم يكن من المستغرب أن يتقدم خلال شهر يوليو 2005 عدد من أعضاء مجلس الشعب المصري بطلبات إحاطة لرئيس الوزراء حول وجود 26 ألف مستشار بالحكومة يتقاضون رواتب تقدر بمليار و200 ألف جنيه، وهو مبلغ كاف لتشغيل الآلاف من الأيدي العاملة وعلاج جزء من مشكلة البطالة.

وليست مصر وحدها هي التي تعاني من هذه المشكلة؛ ففي فلسطين تحولت هذه الظاهرة إلى مادة دائمة في تعليقات نقدية للعديد من الكتاب، وكان النصيب الأكبر لوزارة الخارجية الفلسطينية التي استحدثت منصبين هما المستشار والمستشار الأول؛ حيث يشغل المنصبين 21 موظفًا يتقاضون رواتب عالية تصل إلى 1900 $ للمستشار الأول و1650 $ للمستشار.

أما في الأردن فقد كانت المشكلة أكبر؛ ولذلك كانت مادة أساسية بكل صفحات النقد بالصحف، ويرجع ذلك لتميز الأردن بتعيين حديثي التخرج من ذوي المعارف في منصب "مستشار"؛ ففي باب "البلد" وهو باب انتقادي بصحيفة "الغد" الأردنية انتقد المحرر أكثر من مرة هذه السياسة متسائلاً: كيف يتم تعيين فتاة أردنية حديثة التخرج في منصب "مستشارة" بالحكومة لتتقاضى راتبًا قدره 1200 دينار أردني، وهو راتب يقل قليلاً عن رواتب الوزراء، هذا بالإضافة إلى حصولها على امتيازات أخرى عديدة كالسيارات الحكومية ذات اللوحات الحمراء، والهاتف المحمول المدفوع مكالماته، ووقود السيارة المجاني.

للمستشار شروط

ومع اعترافنا بالدور الذي يمكن أن يلعبه المستشارون في الحكومات العربية باعتبار أنهم أهل خبرة، إلا أن الاعتراض الأساسي أن هذا الأمر تحول إلى باب للمجاملات، والدليل أن شخصًا واحدًا قد يقوم بمهمة المستشار في أكثر من مكان.

هذا ما أكده الدكتور علي عوض شراب مستشار التنمية الإنسانية والتطوير بالسعودية؛ حيث يرى أن أي مستشار لا بد أن تتوافر فيه العديد من المقومات بدونها لا يصلح لهذه الوظيفة، وهي بُعد النظرة حتى يستطيع رؤية الأفق البعيد لكل مشكلة، وعمق الفهم وهي الخاصية التي تجعله قادرًا على قراءة المستقبل، ويدعم ذلك تمتعه بمهارات التأثير والتواصل مع الغير، وأخيرًا يكون من المشهود لهم بالكفاءة بما يدعم صفتي الاحترام والموثوقية المفترض توافرها عند الموظفين تجاه المستشار ليقدروا توجيهاته.

لكن للأسف لا تطبق هذه الشروط؛ ولذلك فإن الحال لا يختلف كثيرًا عن حال الإدارة ومشاكلها؛ حيث توجد العديد من السلبيات بالعاملين بمهنة المستشار يحددها د. شراب في عدم فهم معظمهم لجوهر العملية الإدارية، وكونها استثمارًا أمثل للوقت والطاقات البشرية والمال، وعدم القدرة على الإبداع باختيار أنظمة إدارية عالمية وتكييفها بما يلائم الواقع.

مستشار واحد يكفي

ويتفق د. إسماعيل شلبي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الزقازيق مع الرأي السابق، ولكنه يضيف خاصية يراها ضرورية جدًّا في المستشار وهي تمتعه بخلفية معلوماتية كبيرة في مجال عمل الوزارة، وبدونها فإن منصب المستشار يصبح لا قيمة له.

ويؤكد أن توافر مقومات التعيين في منصب مستشار لا يعني أن يقوم الوزير بتعيين العديد من المستشارين في تخصص واحد، فمستشار واحد يكفي؛ وذلك حتى لا تتعطل عجلة الإنتاج.

ويحبذ أن يقوم بمهام المستشار وكلاء الوزارات بدلاً من استقدام مستشار من خارج الوزارة، ولكن للأسف فإن منصب وكيل الوزارة فقد قيمته؛ حيث بدأت تطوله -أيضًا- حمّى المجاملات فأصبحت ترى في الوزارة الواحدة أكثر من وكيل وزارة، وإذا بحثت عن مقوماتهم التي تؤهلهم لهذه المهنة تكتشف أنهم لا يصلحون.

الموضوعية هي الحل

 ويقترح د. فخر الدين الفقي الأستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أن تكون هناك آلية تسمح باختيار من يقوم بهذه المهنة على أساس موضوعي، بحيث ترسل الوزارات إلى الجامعات تطلب ترشيح من يصلح لأداء هذه المهنة، ثم يتم منح المرشحين برنامجًا تدريبيًّا لإيجاد الارتباط المفقود بين البحث الأكاديمي والواقع العملي، وبعد ذلك تقيم لجنة -يرأسها الوزير- مقابلات شخصية لاختيار الصالحين.

إن مهنة المستشار قد تكون مهمة وضرورية، لكن المشكلة أنها تحولت إلى مهنة من لا مهنة له بسبب إفراغها من مضمونها وتحويلها إلى وسيلة للمجاملة، بعيدًا عن الشروط التي حددها الخبراء والتي ينبغي توافرها في من يقوم بها، فهل تستجيب الحكومات لنداء العقل وتعيد لهذه الوظيفة قيمتها، أم أنها ستُصِرّ على استمرار نزيف الأموال التي تذهب لهؤلاء المستشارين بلا جدوى؟.


* محرر بنطاق نماء، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني: namaa@islamonline.net.
**
صفحي سعودي، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني: namaa@islamonline.net.

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع