 |
|
المجاملات صفحة أساسية فى ملف الفساد |
قضية الإنفاق على المجاملات بدأت
تثار بقوة على الساحة الاقتصادية العربية،
وذلك بعد أن تحولت إلى مادة أساسية في
مناقشات المجالس النيابية بالعديد من
الدول العربية. ففي البحرين تعرض وزير
الإعلام للمساءلة من نواب مجلس الشورى بعد
أن أظهرت التقارير الرسمية أن وزارته
أنفقت 200 ألف دينار (الدينار = 2.65 دولار)
خلال عام 2005 على إعلانات المجاملات من
تعازٍ وأفراح. وفي مصر، حملت التقارير
التي صدرت في سبتمبر عام 2006 عقب حادث
القطار الذي وقع في أغسطس عام 2006 بمدينة
قليوب (إحدى المدن القريبة من القاهرة)
المسئولية لوزير النقل السابق سليمان
متولي الذي أنفق ملايين الجنيهات في
الإعلانات الحكومية، واتبع طوال فترة
توليه المنصب سياسة لمجاملة كبار
المسئولين باستخراج تصاريح مجانية تسمى
"الميدالية" يهديها لهم للركوب
بقطارات الدرجة الأولى الممتازة، أما في
الجزائر فقد اتخذت المجاملات منحى آخر،
فقد بيّن الباحث د.خير الدين حسيب مدير
مركز دراسات الوحدة العربية في دراسة
أعدها عن الفساد في الدول العربية أن
المتابع لعقود الأجهزة الصناعية والبنية
التحتية بالجزائر يكتشف على مدى سنوات
طويلة أن هناك مجاملة فجة لـ 6 شركات
فرنسية تحتكر 50% من عقود الأجهزة الصناعية
و50% من عقود أجهزة البنية التحتية.
وإذا كانت هذه المظاهر لا يختلف
عليها اثنان في ما تُحدثه من أضرار
بالاقتصاد الوطني، فإن هناك أنواعا أخرى
من المجاملات تدافع عنها المؤسسات
الحكومية خاصة البنوك وتراها ضرورة
لتيسير عملها، وتتمثل هذه الأنواع في
الهدايا التي يتم توزيعها مع كل مناسبة
كهدايا رأس السنة وشهر رمضان والمولد
النبوي.
دعاية لا مجاملة
ومع اعتراف الخبراء بأهمية هذه
الأنواع، فإنهم في المقابل يرون ضرورة
تقنينها، وذلك بعد أن أثبت الواقع أنها
صارت بابًا لممارسة الفساد تحت ستار
الضرورة الاقتصادية، ما جعلها لا تقل ضررا
عن المظاهر سالفة الذكر.
فالخبير الإداري د. عبد المطلب
عبد الحميد يحدد وظيفة هدايا المناسبات في
القيام بدور الدعاية للشركات والمؤسسات
المختلفة، ومن ثم لا بد أن تتوجه إلى
الشخصيات والمؤسسات التي تدخل في نطاق عمل
المؤسسة، ويعتبر توجيهها لغير هذه
الشخصيات والمؤسسات مخالفة، كما يجب أن
تخضع عملية إعدادها للإشراف من أكثر من
جهة حتى لا تكون مجالا للسرقة.
ويوضح أن الجمهور المستهدف لهذه
الهدايا يختلف من مؤسسة لأخرى بحسب حجم
وجود المؤسسة في السوق ومدى تشعب نشاطها
ومدى قوة المؤسسات المنافسة، فضلا عن
المؤسسات التي تمارس نشاطا مرتبطا ومكملا
ويمكن تبادل المنافع معها.
ويرى د. عبد المطلب أن التحول إلى
اقتصاد السوق جعل هذه الهدايا ضرورة،
وليست ترفا؛ لأنها في النهاية وسيلة من
وسائل الدعايا التي تصب في صالح المؤسسة.
رشوة مقنّعة
ويتفق الخبير المصرفي محمد حيدر
مع الرأي السابق مؤكدا أن هناك إيجابيات
كثيرة لتوزيع بعض الهدايا البسيطة في
المناسبات، فهو -مثلا- تصله مع بداية كل
عام أجندات ونتائج حائط من كثير من البنوك،
وهذا يدخل في إطار الدعاية للبنك
والمساهمة في ترديد وتداول اسمه.
وفي المقابل توجد هدايا من نوعية
أخرى يتم توزيعها على كبار المسئولين
كالساعات الذهب والأقلام الفخمة، وهذا
النوع من الهدايا هو الذي يمكن أن يدخل في
إطار ما يسمى بالرشوة المقنّعة؛ لأنه في
الغالب يتوجه إلى شخصيات ليست لها علاقة
بمجال عمل البنك، وكل مؤهلاتها أنها تحتل
منصبا مرموقا بالدولة.
ولكنه يرى أن هذا الأمر قلّت حدته،
حيث بدأت البنوك المركزية بالعديد من
الدول العربية تضع هذه القضية ضمن
أولوياتها عند التفتيش، فتنظر إلى بنود
تكلفة هذه الهدايا وما إذا كانت قيمتها
تثير الانتباه أم لا.
المناخ غير ملائم للفساد
ويرى أحمد آدم مدير إدارة
التخطيط بأحد البنوك الخاصة أن السبب في
حدوث شبهة مجاملات في الهدايا خاصة التي
يتم توجيهها لكبار الشخصيات لم يعد له ما
يبرره، فالمشكلة كانت في أن تستخدم الهدية
كرد لهدايا تلقاها مسئولو البنوك لتسهيل
حصول هذه الشخصيات على قروض.
وهذا الأمر أصبح يخضع لرقابة
شديدة، خاصة بعد ما عرف بظاهرة "التعثر
المصرفي"، ولم يعد مسئولا عنه شخص واحد
فقط، بل يتم عبر لجان عديدة لكل منها
اختصاصاته ويعرض عليها اسم العميل وظروفه
في السوق ومدى قدرته على السداد والضمانات
المتوافرة لديه، حتى يصل الأمر في النهاية
إلى اللجنة المختصة بمنح الائتمان لتقرر
ما إذا كان يستحق الحصول على القرض أم لا.
اختلفت الظروف والنتيجة واحدة
وإذا كانت الآراء السابقة قد
حددت شروطا للهدية كشكل مقبول من أشكال
المجاملة التي تستهدف صالح المؤسسة،
فإنها لم تنف في الوقت ذاته أن هذه الشروط
لم يتم الالتزام بها، وإذا كان اختفاء
الظروف التي ساهمت في انتشار هذه المخالفة
قد يريح الكثيرين، فإن ذلك لا يعني إغلاق
القضية، فقد تتولد ظروف أخرى تسمح
بانتشارها، لتكون النتيجة واحدة، والمبرر
الجاهز دائما "الضرورة الاقتصادية".
|