بريدك الالكتروني


English

 

 الخميس 2 رجب 1427هـ - 27/7/2006م

بلاد الشام » قضايا اقتصادية » نماء
أرسل لصديق
 
 
 

 

اللبنانيون بين مطرقة إسرائيل وسندان الاستغلال

علي حسين باكير**

سنوات طويلة تحتاجها لبنان لإصلاح ما دمرتة الحرب

"ما أشبة الليلة بالبارحة" فها هي الأحداث الدائرة في لبنان تعيد إلى الأذهان ذكرى الآلام التي طالما عانى منها اللبنانيون بسبب صراعهم مع الكيان الصهيوني، ولكن الجديد هذه المرة أن المعاناة كانت أشد، ففي السابق كانت الطرق تظل سالكة فكان السكان ينزحون في بداية أي أزمة بعد اتخاذ كافة الإجراءات من تحضير للمال اللازم والغذاء والدواء وترتيب إجراءات المعيشة بالمنازل التي سينزحون إليها في بيروت أو الجبل.

ولكن ما حدث في هذه الحرب هو أن اللبنانيين كانوا غير جاهزين لاعتقادهم بأن الرد الإسرائيلي على أسر حزب الله للجنديين الإسرائيليين سيكون محصورًا في الجنوب، لكنها فوجئت بهجوم واسع وكبير بدأ بضرب الطرق الرئيسية والجسور؛ وهو ما أدى لعزل المناطق بعضها عن بعض وجعلها مجرد تجمعات سكنية محاصرة ليس لديها أي اتصال مع الخارج، وليس بها ما يكفيها من الغذاء والكساء والدواء والكهرباء والمال؛ وبالتالي كان اللبنانيون أمام خيارين، إما البقاء والتعرض لشبح الموت أو النزوح إلى المجهول.

تجار الأزمات يزيدون المعاناة

اختار الأغلبية النزوح إلى المجهول، فرغم بشاعته فإنه على أي حال أقل ضررًا من انتظار الموت الذي يحصد المزيد كل يوم، ومن المتوقع أن يصل عدد هؤلاء النازحين وفق تقديرات جهات الإغاثة إلى ما يقرب من المليون نسمة.

وهؤلاء يعانون من ظروف صعبة جدًّا، فبعد أن امتلأت جميع المساكن الخالية في الجبل وبيروت، اضطروا إلى النوم في المدارس والملاجئ والمساجد والساحات المفتوحة ولجأ بعضهم إلى الشوارع والحدائق العامة، وقد حاولت بعض الجمعيات تأمين متطلباتهم من الماء والغذاء والدواء، لكن الضغط الشديد والعدد الكبير وتقطيع أوصال المناطق واستهداف الشاحنات منعًا لوصول الإمدادات حال دون تأمين هذه المساعدات، مع وجود حالات إنسانية تدمي القلوب بدءًا من احتماء بعض النساء بظل الأشجار، ومرورًا بنوم الأطفال والرضع في العراء وانتهاء بالعجزة والمقعدين والمعاقين الذين لم ترحمهم الحرب، ولم يتمكن أهلهم من تأمين ما يلزم لهم في ظل حاجتهم الماسة إلى كل ما يبقي الإنسان على قيد الحياة.

والغريب أنه مع هذه الصور العديدة من المعاناة إلا أن تجار الأزمات لم يرحموا النازحين، فاستغل البعض من ضعاف النفوس هذا الوضع في بعض المناطق فرفعوا أسعار الإيجارات بشكل غير طبيعي بحيث وصل إيجار الغرفتين إلى ألف دولار أمريكي، وارتفعت ربطة الخبز أيضا في بعض الأماكن من دولار إلى 13 و20 دولارًا، وكذلك الغاز والخضار وبعض الأغذية.

وكانت في المقابل هناك صورة إيجابية، حيث فتح الكثير من اللبنانيين منازلهم للنازحين حتى إن المنزل الواحد المكون من ثلاث غرف يقطنه ما يقرب من 20 إلى 30 شخصًا.

ولم يكن اللاجئون الفلسطينيون بأقل تعاطفًا مع النازحين، فرغم ظروفهم الاقتصادية الصعبة قاموا بفتح منازلهم الضيقة جدًّا للنازحين، وخاصة في مخيم عين الحلوة في مدينة صيدا التي لجأ إليها عدد كبير من الناس كنقطة استقرار أو إعادة انطلاق لمناطق أخرى.

الصامدون وجه آخر للمعاناة

وفي مقابل هؤلاء النازحين كان هناك من يُصِرّ على الصمود مُخاطرًا بإمكانية تعرضه للموت في أي لحظة نتيجة القصف الصهيوني، وهؤلاء يعانون الويلات، ويرون شبح الموت يقترب منهم ببطء نتيجة نفاد ما يملكونه من ماء ودواء وغذاء لانقطاع بلدتهم ومنطقتهم عن المناطق الأخرى؛ وبالتالي انقطاع المساعدات عنهم.

وإذا اختار بعضهم الرحيل متأخرًا عبر طرق فرعية تقابلهم مشكلتان: الأولى إمكانية تعرضهم للقصف مباشرة، وفي حالة نجاتهم من الموت تقابلهم المشكلة الأخرى وهي عدم توافر المال الكافي ليدفعوه إلى السائق -إن وجد-، حيث يطلب بعضهم من المال ما يساوي تذكرة طائرة، أي حوالي 200 دولار فأكثر، ومنهم من يبتز الناس ليطلب مبالغ خيالية تصل لألف دولار وما يزيد.

وقد زاد من سوء الأحوال قيام إسرائيل بقصف محطات الاتصالات، وهو الأمر الذي منع النازحين من التواصل مع أهلهم الصامدين، فأصبحت العائلات في بعض الأحيان مقسومة إلى 3 أقسام يقطنون عدة مناطق، وهو ما يزيد من صعوبة التواصل والتنسيق والاطمئنان على حياة بعضهم البعض.

مأساة مستمرة واقتصاد ضعيف

ومع كل هذه الصور من المعاناة إلا أن اللبنانيين كان الله في عونهم لا يملكون حتى مجرد التشبث بأمل انتهائها إذا تم التوصل لاتفاق ينهي هذه الحرب، فالكوارث الإنسانية الهائلة ستتكشف بعد انتهاء المعارك، حيث سيجد معظم النازحين أن منازلهم قد تدمرت، وأنه لا يمكن الرجوع إليها، كما أن هناك أسرًا فقدت عائلها الوحيد، وأخرى فقدت كل ما تملك من رأس مال، خاصة تلك التي تعتمد على المواسم الزراعية في دفع ما عليها من التزامات الحياة أو التي تركت ممتلكاتها من أموال منقولة وغير منقولة هربًا بحياتها وحياة أطفالها، ناهيك عن حجم البطالة الهائل والخسائر الضخمة في المجال الإنساني والبشري.

والحال لا تختلف كثيرًا عند الحكومة اللبنانية التي ستجد نفسها مسئولة عن إعادة بناء البنية الأساسية للبنان التي تدمرت بفعل الحرب، فوفقًا لأحدث التقارير فإن البنى التحتية التي تم تطويرها على يد رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري منذ عام 1992 دمر منها حتى الآن حوالي 50%، وهذا ما يعني خسارة بمعدل من 350 إلى 400 مليون دولار يوميًّا.

يأتي ذلك بينما يعاني لبنان أصلاً قبل بدء الحرب من مشاكل اقتصادية عديدة، أبرزها ارتفاع حجم الدين العام الذي يتجاوز الـ38 مليار دولار، وكان يعول آمال كبيرة على قطاع السياحة للمساهمة في علاج بعض هذه المشاكل، خاصة بعد توقعات منظمة السياحة العالمية بارتفاع دخل لبنان من السياحة في العام 2006 ليصل إلى 4.5 مليارات دولار خاصة بعد أن تزايد أعداد السائحين خلال الستة أشهر الأولى من العام بمعدل من 24 إلى 26% بالمقارنة بالعام الماضي ، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن.

ويبقى سؤال

وحتى لا يتهمني البعض بالتشاؤم فإن التذكير بنجاح جهود رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في إعادة إعمار لبنان بتكلفة وصلت إلى 6.1 مليارات دولار، يصبح أمرًا ضروريًّا ويحمل بريقًا من الأمل، بشرط أن يوجد من يحب لبنان مثلما أحبها الحريري، فهل هذه الشخصية لها وجود في لبنان، هذا ما سوف تسفر عنه الأيام.


** باحث متخصص في الشأن اللبناني ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للصفحة namaa@islamonline.net.

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع