 |
|
الشارع أصبح ملاذا للعديد من الأسر اللبنانية |
ألقت سياسة "تقطيع أوصال الوطن"
التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي في لبنان
بظلالها على الاقتصاد اللبناني وعلى حياة
الأسر اللبنانية؛ فها هي الأسر اللبنانية
تجد نفسها مضطرة إلى التخلي عن موائدها
العامرة بما لذ وطاب من الأطعمة اللبنانية
الشهيرة؛ كالكفتة اللبناني، وفطيرة
السبانخ لتلجأ إلى الأطعمة الشعبية
الرخيصة التي لا تتكلف الكثير من أجل
مواجهة آثار الحرب، هذا في الوقت الذي
اعتبر بعض الخبراء الاقتصاديين أن الحرب
الجارية أعادت لبنان 3 سنوات إلى الوراء.
ففي حي "عائشة بكار" ذي
الكثافة السكانية الكبيرة والذي يقطنه
مواطنون من ذوي الطبقة المتوسطة عادت
الكثير من العائلات اللبنانية إلى "المجدرة"
و"الكبة النية"، ولكن ذلك لم يمنع "أم
رامي" -إحدى قاطنات الحي- من التأكيد على
أنهم على أتم استعداد لتحمل ظروف أقسى من
ذلك؛ حيث اضطرت وغيرها من اللبنانيين وقت
الحرب الأهلية إلى أكل العشب.
3 عاطلين والرابع في الطريق
وأم رامي نموذج للسيدة اللبنانية
المكافحة؛ فهي تدير عائلة من 5 أفراد بعد
أن توفي زوجها وحرمت الحرب ابنتها عزيزة
من العمل، بعد أن أغلق المصنع الذي تعمل
فيه بالضاحية الجنوبية لتلحق بأخوين لها
عاطلين حتى قبيل الحرب؛ وهو ما رفع عدد
العاطلين بالمنزل إلى ثلاثة.
وتعتمد تلك العائلة على 20 ألف
ليرة فقط (الدولار= 1506 ليرات) يتحصل عليهم
ابنها "إياد" الذي يعمل في ميدان
النقل العمومي، وتقوم "أم رامي"
بتوزيع المبلغ على مستلزمات المنزل بما
فيها ربطة الخبز التي يصل سعرها إلى ألف
ليرة. وعن الأكلة اليومية فتجيب بأنها "المجدرة"
فهي الأرخص، كما أن موادها قابلة للتخزين
وقت الحروب وخاصة مادة العدس المكون
الأساسي للوجبة.
ورغم ضآلة المبلغ الذي يتحصل
علية إياد، فإن هذه الأسرة مهددة بأن
تتسبب الحرب في توقفه بسبب استهداف
إسرائيل للمصانع.
شركاء في المعاناة
وإذا كانت أسرة "أم رامي" لا
تزال تنتظر المصير الحتمي، وهو توقف
النشاط الذي يعمل به عائلها كنتيجة لتدمير
الجسور والطرق، فإن العديد من الأسر
اللبنانية تواجه هذا المصير حاليا، فقد
فقدت العديد منها مصدر دخلها بعد أن
استهدفت القذائف الإسرائيلية 10 مصانع
ببيروت كانت تؤمن أكثر من ألفي فرصة عمل؛
وهو ما جعل مواد الإغاثة هي المصدر
الأساسي لغذاء هذه الأسر، ولكن السؤال
الذي يشغل بالهم: إلى متى سيعتمدون على تلك
المواد؟ وهل ستتحسن الظروف ويجدون فرصة
عمل بعد انقضاء الحرب التي لا يعلم مداها
إلا الله أم أن الانضمام إلى طابور
العاطلين سيكون مصيرهم المحتوم؟.
ولم تكتف إسرائيل بكل ذلك، بل
حرصت على أن تجعل الصورة سوداء من كافة
الوجوه، فضربت 40 محطة كهرباء ليكون الظلام
حياتهم وصوت القذائف هو أنيسهم، كما دمرت
55 جسرا أهمها جسر "صوفر" الذي تجاوزت
تكلفته الـ 300 مليون دولار، ويعتبر أعلى
جسر في منطقة الشرق الأوسط؛ وذلك بهدف عزل
المناطق عن بعضها حتى يمكنها الانفراد
بضحيتها وقطع وسائل الهروب.
وقد دفعت هذه الخسائر الخبير
الاقتصادي اللبناني مروان إسكندر إلى
القول في جريدة الديار يوم 30-7-2006: "ما أن
تنتهي الحرب سنجد أن القطاعات الإنتاجية
في لبنان عادت 3 سنوات إلى الوراء"؛
فالقطاع الصناعي أصيب بأضرار هائلة نتيجة
قصف المصانع، وكذلك قطاع السياحة، فيكفي
كارثة تلوث البحر ببقع النفط لمعرفة مدى
الضرر الذي لحق بالمؤسسات السياحية التي
يعتمد معظمها على سياحة موسم الصيف.
أما زراعيا، فقد شهد هذا القطاع
تضررا بالغا؛ حيث بقي على سبيل المثال
موسم جني البطاطا في سهل بقاع بعلبك ينتظر
من يبدؤه بعدما حرم القصف الإسرائيلي
للبقاع العمال من ممارسة عملهم الذي كان
من المفترض أن يبدءوه منتصف شهر يوليو.
صور مضيئة وسط الظلام
وبالرغم من كل هذه الآثار
السلبية، فإن الصورة لم تكن كلها قاتمة؛
حيث حفلت ببعض الإيجابيات؛ فأسعار المواد
الأساسية وخاصة القمح لم تشهد ارتفاعا
كبيرا، حيث حافظت "ربطة الخبز" كما
يسميها اللبنانيون على ثمنها الأصلي، وهو
"الألف ليرة". ويقول التجار بأن
التهافت الذي شهدته الأيام الأولى للحرب
خفت حدته غير أنه بقي متواصلا على "قارورات
الغاز" التي وصل ثمنها في بعض الأوقات
إلى 80 ألف ليرة، ولكن ما لبثت أن عادت إلى
مستواها الأصلي وهو 15 ألف ليرة بعد أن
توافرت قوارير الغاز في المحلات بشكل
طبيعي بفضل الجهود التي قامت بها شركة
الطاقة والمياه. كما أن سعر صرف الليرة لم
يطاوله الانهيار بسبب تدخل البنك المركزي.
وأضاف الدكتور سمير مقدسي، أستاذ
الاقتصاد بجامعة بيروت، أن الاقتصاد
اللبناني اقتصاد يتمتع بمرونة عالية
ويتميز بحيوية فائقة تمكنه من استعادة
وضعه سريعا بعد استقرار الأوضاع وانتهاء
هذه الحرب، خاصة أن لدى لبنان من الكفاءات
البشرية والعلاقات الخارجية ما يساعده
على لملمة جراحه الاقتصادية سريعا.
|