بريدك الالكتروني


English

 

الخميس  25 شوال  1427 هـ - 16/11/2006م

مصر والسودان » قضايا اقتصادية » نماء
أرسل لصديق
 
روابط من إسلام أون لاين

 

نسخة "جرامين" المصرية.. لماذا تأخر الإصدار؟

حازم يونس**

جانب من الندوة التى نظمتها نقابة الصحفيين

مرة أخرى أجد نفسي مضطرا إلى القول: "ما أشبة الليلة بالبارحة"، ولهذه العبارة قصة معي، ففي كل ندوة أكلف بتغطية وقائعها أجد نفسي مجبرا على قولها؛ لأن المشهد يكاد يكون متطابقا في كل الندوات، وهو اختلاف حاد في وجهات النظر لا يصل في النهاية إلى نتيجة يمكن اعتمادها كآلية عمل موحدة، ويوم 14 نوفمبر 2006 كنت على موعد مع واحدة من هذه الندوات، وهي التي نظمتها نقابة الصحفيين المصرية لمناقشة التجربة المصرية في الإقراض المتناهي الصغر الذي تقوم فكرته على نفس فكرة بنك الفقراء ببنجلادش، الذي حصل هو وصاحبه البروفيسور محمد يونس على جائزة نوبل للسلام هذا العام.

كانت بداية الندوة مبشرة، حيث بدأها الكاتب الصحفي الاقتصادي ممدوح الولي بتقديم نبذة مختصرة عن تاريخ بنك الفقراء في بنجلادش، ثم سرد التجارب المصرية في الإقراض المتناهي الصغر التي بدأت قبل تجربة بنك جرامين ببنجلادش، متمثلة فيما قام به د.أحمد السيد النجار بقرى الدقهلية في بداية الستينيات، وتجربة بنك ناصر التي اعتمد لها الرئيس الراحل أنور السادات عام 1971 مبلغ مليون جنيه، وكان السؤال المنطقي المفترض أن يثار بعد هذا العرض: "لماذا لم تحقق هذه التجارب نفس النجاح الذي حققه بنك جرامين؟".

الاختراق أساس البلاء

أرجع د.محمود منصور عبد الفتاح الأمين العام لمؤسسة الأمل الخيرية السبب إلى فردية هذه التجارب، واقتصارها على نطاق محدود جدا لا يتخطى حدود الإقليم الذي بدأت فيه، في حين أن محمد يونس أرادها تجربة قومية، وكان له ما أراد.

وعن أسباب عدم تحول التجربة المصرية إلى تجربة قومية، قال د.منصور: استضفنا محمد يونس بالقاهرة لدراسة الحالة المصرية والخروج بتوصيات عن كيفية نقل تجربته لمصر، ولكن للأسف وقفت عقبات بيروقراطية أمام التنفيذ، فماتت الفكرة.

وأكد أن ما تقوم به الجمعيات الأهلية في مصر -حاليا- من برامج إقراض لن يجدي كثيرا؛ لأنها برامج يخترق تحركها الجهات الأجنبية الممولة كالمعونة الأمريكية والإيطالية والكندية، وهذه البرامج تكون في الغالب قصيرة لا يتعدى عمرها 3 أو 4 سنوات، وحتى تنجح أي تجربة لا بد أن تكون طويلة المدى، هذا فضلا عن أن جهة المعونة تضع شروطا للإقراض، كأن يفرض على المقترض العمل بالحاسب الآلي، واستخدام برامج معينة من صنعهم.

مصر فاقت جرامين!

نجحت كلمة د.منصور في استفزاز المتحدثة التالية سناء فرغلي محمود مدير مشروع بشاير الخير الممول من المعونة الأمريكية، فأكدت أن برنامجهم تعدى سبع سنوات حتى الآن ولم يتوقف، ونجح في منح 130 قرضا حتى الآن في خمس محافظات من خلال جمعيات رجال الأعمال بها، ووصلت نسبة السداد إلى 100%.

ولم تكتف بذلك، بل وصل الحماس بها إلى القول: إن هذه التجربة فاقت بنك جرامين ببنجلادش، فجرامين مدخله مادي يقتصر على النقود، بينما مشروعهم يهتم بمحو الأمية، والصحة، واستخراج البطاقات الشخصية للسيدات.

وهو ما رفضه الكاتب ممدوح الولي الذي أكد بعد انتهاء كلمة مديرة مشروع بشاير الخير أن هذا افتراء على تجربة بنك جرامين، الذي يملك 11 مؤسسة تعمل في مجال التنمية بخلاف البنك، منها مؤسسات لإحياء صناعة الغزل، والطاقة الريفية، وتسويق منتجات البلاد، وتكنولوجيا المعلومات.

مصدر التمويل مشكلتنا

محمد يونس وثق بالفقراء فلم يخذلوه

وإذا كان الحماس الزائد قد غلب على كلمة مديرة مشروع بشاير الخير، فإن المتحدثين بعدها قد حاولوا قدر الإمكان أن يتخلوا عن هذا الحماس، واستبداله بمعلومات تعضد موقفهم، فمحمد حامد صالح مدير عام جمعية تنمية المشروعات الصغيرة والنهوض بالمجتمع رفض من البداية الاتهام بأن أموال المنح تفرض شروطا على المستفيدين، مستشهدا ببرنامج الإقراض بجمعيته الممول من هيئة التعاون الدولي الإيطالي الذي بدأ عام 1999 بمبلغ 15 مليون جنيه، وحقق نسبة عالية في السداد وصلت إلى 99.5%، ووصل حجم الإقراض هذا العام إلى 160 مليون جنيه، استفاد منها 140 ألف عميل، ولم تفرض عليه الجهة المانحة خلال هذه الفترة أي شروط.

وقال: إننا لم نجد معاونة من البنوك، فكانت الجهات الأجنبية هي البديل، ولكن عندما حققت الجمعيات نجاحا في الإقراض، وارتفعت نسبة السداد، زالت المخاوف عند البنوك، وبدأت تعمل في مجال الإقراض متناهي الصغر، بعد أن ثبت لهم أنه يحقق أرباحا كبيرة للبنك، خاصة أنهم يضعون فائدة عالية على هذا النوع من الإقراض تصل إلى 53%، وهذا في حد ذاته يعتبر أهم العوائق أمام استنساخ بديل مصري لبنك جرامين؛ لأنه عندما قام لم يكن يهدف للربح، وطالما كان هذا الهدف متحكما في كل التوجهات فلن يوجد بنك للفقراء، وستظل المحاولات فردية.

واتفق سمير شوقي خبير مشروعات القروض الصغيرة مع الرأي السابق، وحمّل المسئولية للبنوك، ونفى أيضا تهمة إقرار برامج معينة من الهيئات المانحة، مؤكدا أنه لم يجد ذلك على الإطلاق في مشروع بشاير الخير الذي يعتمد على برامج الحاسب الآلي المصرية، ويقتصر دور الجهة المانحة على وجود خبير أمريكي لكتابة تقرير دوري حول أداء المشروع لإرساله إلى هيئة المعونة بأمريكا.

ونفس الكلام -تقريبا- قاله طارق حامد مدير إدارة مراجعة القروض بالجمعية المصرية لمساعدة صغار الصناع والحرفيين، الذي طالب بضرورة المضي قدما في اتخاذ خطوات عملية لإنشاء بنك للفقراء، خاصة بعد أن أثبتت التجارب أن مخاوف عدم السداد التي عاقت التجربة ليس لها أساس، بدليل أن جمعيتنا منحت 243 ألف قرض بـ 858 مليون جنيه، وكانت نسبة الاسترداد 99.5%.

أين أموال الزكاة والصدقات؟

واختلفت كل من تهاني البرتقالي ووائل علما من بنك الطعام المصري مع الآراء السابقة في تحميل البنوك كل المسئولية، مؤكدين أن المصادر موجودة، ولكننا لا نستخدمها، أو لا نحسن استغلالها، وقالا: إنه لو أحسن استغلال أموال الزكاة والصدقات، وقام كل ثري بإخراجها -كما أمر الله- فسيكون ذلك مصدر تمويل ضخما يمكن أن يؤسس لنا "جرامين" آخر، ولكن للأسف لا تزال المحاولات تسير في طرق منعزلة ولا يوجد إطار واحد يضمها؛ ولذلك ستظل الصورة قاتمة مهما حققت كل محاولة نجاحا منفردا.

شفقة بلا صدقات

أما د.نبيل حشاد الخبير المصرفي فقد كان حديثه مركزا حول تجربة بنك "جرامين"، مستبعدا أن تنجح مصر في تطبيقه ما لم يتم تغيير الكثير من المفاهيم والسلوكيات بالمجتمع.

فعامل التميز بتجربة محمد يونس أنه استطاع خلق حالة من الثقة بينه وبين العميل، وأشعره أن المسئولية بينهما مشتركة، ولم يكن ذلك نظريا بل عمليا، فعندما بدأ البنك كانت نسبة مساهمة الحكومة 60% والفقراء 40%، أما الآن فالفقراء نسبتهم 75% والحكومة 25%، كما يوجد تسع سيدات من الفقراء في مجلس إدارة البنك.

هذا إلى جانب أن البنك يسير على قواعد غير بيروقراطية تحسن من أداء العمل، ومنها أن أهداف البنك أهم من النظم والإجراءات، ويعتمد على عدد قليل من الموظفين، ويولي أهمية كبيرة لانتقادات العملاء واقتراحاتهم.

ويضيف د.حشاد: إن مقولة محمد يونس: "شفقة بلا صدقات" هي خير تعبير عن فلسفة البنك، وهذه الفلسفة لا يمكن أن تحدث بمصر بعد أن أصبح هدف الربح هو المسيطر على أداء الجهات المانحة للقروض، وللأسف يكون بفائدة مركبة في أغلب البرامج.

الصناعات الصغيرة هي الحل

وإذا كانت الآراء السابقة قد انقسمت ما بين إشادة بتجربة "جرامين" وإشادة بالتجارب الذاتية، فإن جمال مسلم خبير الإقراض بهيئة المعونة الكندية كان أكثر طموحا من سابقيه، فتجاوز حلم إنشاء البنك -البعيد المنال- وذهب إلى القول بأنه من الخطأ الاعتقاد أن بنك الفقراء- إن أنشئ بمصر - سيحل مشاكلنا، فهذا البنك سيكون بمثابة الدواء المُسكّن، فهو سيوفر الطعام للفقير، ولكنه لن يحل مشكلة الفقر نهائيا التي تحتاج لخطط كبرى يتم من خلالها الاهتمام بالصناعات الصغيرة والمتوسطة.

لكنه عاد ليؤكد أن تجربة بنك "جرامين" رائدة من حيث توفير وسيلة لمكافحة الجوع، وتعطي درسا للبنك المركزي المصري والبنوك التجارية في التجاوب مع احتياجات المجتمع ومتطلباته، حيث كان 90% من رأس مال "جرامين" ملكا للبنك المركزي واتحاد البنوك التجارية.


** محرر بنطاق نماء، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للصفحة namaa@iolteam.com

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع