 |
|
جانب من القمة الصينية الإفريقية |
أثارت القمة الصينية الإفريقية -التي
احتضنتها العاصمة الصينية بكين خلال
الفترة من 3-5 نوفمبر 2006 بحضور 48 دولة
إفريقية- سلسلة من التساؤلات في الأوساط
الاقتصادية الدولية حول الدافع وراء هذا
الاهتمام الصيني بإفريقيا، ففي حين دافعت
عنه الدول النامية واعتبرته جزءا من
المحاولات الصينية لتوسيع دائرة
الاستثمار بها -بدليل إبرام عدد كبير من
الصفقات خلال القمة قدرت بنحو 1.9 مليار
دولار، وتنوعت بين اتفاقيات لاستيراد
النفط الإفريقي ومشروعات للبنية الأساسية-
مالت الدول الغربية إلى التشكيك في
النوايا الصينية، وأبدوا تخوفهم من أن
يكون ذلك تخطيطا صينيا للحصول على الكعكة
الإفريقية منفردة.
بداية صينية مبشرة
الصين من جانبها حاولت أن تظهر
حسن النوايا في القمة، فأعلنت أنها ستسقط
جميع ديون الدول الإفريقية الأشد فقرا
والمستحقة في نهاية عام 2005، والتي لا
تتحمل فوائد.
وتقدر الديون التي أسقطتها الصين
حتى الآن تجاه 31 دولة إفريقية بنحو 1.3
مليار دولار، منها 60 مليون دولار أسقطتها
من ديونها تجاه السودان منذ ثلاث سنوات
تقريبا.
كما تعهدت بإتاحة قروض تفضيلية
وصفقات تجارية تفضيلية لصالح الدول
الإفريقية تصل إلى نحو 5 مليارات دولار،
وبأنها خلال ثلاث سنوات من الآن -أي من عام
2006- سوف تضاعف حجم مساعداتها.
هذا بالإضافة إلى أنها أعفت
صادرات بعض الدول الإفريقية من الرسوم
الجمركية، حيث ألغت الصين التعريفات
الجمركية على 190 سلعة من صادرات ما لا يقل
عن 29 دولة إفريقية منذ أول يناير 2005.
الشكل إيجابي والمضمون سلبي
ودعم هذا التوجه حسن النية
البياناتِ المتاحة حول تطور العلاقات
التجارية بين الطرفين، ففي عام 2000 كان حجم
العلاقات التجارية 11 مليار دولار فقط،
بينما وصل هذا الرقم إلى 50 مليار دولار في
نهاية عام 2005، وهو ما يعني أن حجم النمو في
العلاقات التجارية يتزايد بمعدلات كبيرة
تصل لخمسة أضعاف ما كانت عليه عام 2000.
وتطمح الصين إلى أن يصل حجم
علاقاتها التجارية مع إفريقيا لنحو 100
مليار دولار في عام 2010، أي ضعف قيمتها
الحالية بعد أربع سنوات من الآن.
ولكن المشككين عادوا ليؤكدوا أن
ذلك ليس دليلا على حسن النية، فهو يظهر
شكلا إيجابيا، ولكن المضمون يقول غير ذلك،
فالجانب الصيني هو الفاعل في زيادة حجم
العلاقات التجارية مع إفريقيا، وذلك بسبب
التوسع في استيراد النفط الإفريقي الذي
يشكل نحو ثلث واردات الصين النفطية، وبسبب
ضعف البنى الاقتصادية الصناعية في
إفريقيا، وهو ما يجعل السلع الصينية تلقى
رواجا لأنها تلبي احتياجات المواطن
الإفريقي بجودة وسعر مناسبين.
وأضافوا: إنه من المتوقع أن تشهد
المرحلة القادمة زيادة في حجم هذه
العلاقات بسبب التمدد الصيني بالبلدان
الإفريقية سواء كان بحثا عن موارد طبيعية،
أو إقامة مراكز تجارية كبيرة، أو توقيع
اتفاقيات لإنشاء مناطق صناعية أو مشروعات
صناعية مشتركة، أو القيام بتنفيذ مشروعات
البنية الأساسية لبعض البلدان الإفريقية.
كما أن الصين قد انتهجت نهجا
مشجعا لبعض البلدان الإفريقية التي تصنف
على أنها من البلدان الأقل نموا أو الأشد
فقرا بإسقاط جزء من ديونها أو تقديم
المساعدات لها، ولم تربط المساعدات بتبني
برامج تتعلق بالجوانب الديمقراطية وحقوق
الإنسان كما تفعل الدول الغربية، وهو ما
تراه الدول الإفريقية وغيرها من بلدان هذه
الفئة تدخلاً في شئونها الداخلية.
هكذا تكون النوايا الحسنة
وبعيدا عن هذا الجدل فهناك شروط
ينبغي للصين تحقيقها حتى يمكن القول حقا
بأن النوايا حسنة، وهذه الشروط هي:
أولا: ينبغي ألا تأخذ
الاتفاقيات التي توقع بين الطرفين نفس
المسار الذي انتهجته الدول الغربية من
تحويل البلدان الإفريقية إلى مجرد سوق
لمنتجاتها، بل ينبغي أن تعكس الاتفاقيات
مصلحة الطرفين حتى تساهم الصين في تحريك
المياه الآسنة في نهر التنمية الراكد في
البلدان الإفريقية، وأن تتحول العلاقة
إلى شراكة تنموية حقيقية وليس مجرد
علاقات تجارية.
وقد أشارت وسائل الإعلام الخاصة
بقمة بكين إلى شروع الصين بالفعل في
تقديم بعض المنح والبعثات الدراسية،
وكذلك تدريب بعض الموظفين من دول إفريقية،
وكذلك نقل التكنولوجيا، فإن أخذت
العلاقة مستقبلا هذا المنحى فهي بلا شك
سوف تشهد تصاعدا دائما، بل قد يؤدي ذلك
إلى تغيير طبيعة الخريطة الاقتصادية
العالمية بتقديم صورة جيدة لعلاقات
الجنوب– الجنوب، وهو ما سيؤدي إلى تغيير
نوعي في التصويت داخل المؤسسات
الاقتصادية الدولية لصالح دول الجنوب.
ثانيا: التعامل مع إفريقيا
ككيانات مجمعة وليست كدول، وهذا ما غفلت
عنه "القمة الإفريقية الصينية"
الأخيرة، فعلى الرغم من أن عنوانها يشير
إلى فكرة التعامل مع إفريقيا ككيانات
تسعى لتحقيق مصالح مشتركة، فإن إفريقيا
هناك كانت ممثلة في دول، وهو نفس الخطأ
الذي تم التعامل به في تجربتها مع الدول
الغربية على مدار السنوات البعيدة
الماضية، فالصين في تعاملها مع إفريقيا -بلا
شك- تتصرف من منطق القوي، وعادة ما تصاغ
العلاقات الاقتصادية والتجارية لصالح
الأقوى، وإفريقيا لديها بعض المؤسسات
الإقليمية التي ينبغي أن يتم تفعيلها في
صياغة هذه العلاقة المستقبلية.
وإذا ما تركت العلاقات
الاقتصادية الإفريقية الصينية على ما هو
عليه فسوف تكون بلا شك لصالح الصين
بمعدلات أكبر منها لصالح الدول
الإفريقية، فكل دولة سوف يكون لها
مشكلاتها القطرية الضيقة التي قد لا تحقق
مصلحة القارة ككل.
ثالثا: هناك مؤهلات لنجاح
الشراكة الإفريقية الصينية تتمثل في عدم
تبني الصين لصدام حضاري أو غزو ثقافي مع
الدول الإفريقية، وقد أثبت الصينيون في
هذا الإطار حسن النوايا، فلم يعطوا شعورا
بالتعالي، ولكنهم عكسوا نموذجا للجد
والانضباط والتأقلم مع ظروف ومناخ الدول
الإفريقية سواء الثقافي أو العادات
والتقاليد والمعتقدات.
كما أن الاتهامات الموجهة للصين
من قبل الدول الغربية أو من بعض المؤسسات
الدولية -كالبنك الدولي- قد تصب في صالح
الصين؛ لأن ادعاءات الغرب والمؤسسات
الدولية بتقديم المساعدات والتنمية
للبلاد الإفريقية كانت مجرد وعود ولم
تلتزم بما وعدت به، كما أنها تسعى لتحقيق
مصالحها على صعيد الاقتصاد الدولي من
خلال المؤسسات الدولية التي تلزم
البلدان النامية والفقيرة ومنها الدول
الإفريقية، بينما تحيط اقتصادها
بإجراءات حماية تحول دون وصول المنتجات
الإفريقية إلى أسواقها.
وسوف يدلل سلوك الصين خلال
المرحلة القادمة إما على صدق مشروعها
للشراكة بكونها شراكة تهدف لمصلحة
الطرفين، أو على مجرد تكرار للتجربة
الغربية.
مسئولية الدول الإفريقية
وفي المقابل ينبغي على الدول
الإفريقية أن تعطي لهذه التجربة الجديدة
عوامل النجاح بعد أن خرجت من تجربتها مع
أوروبا خاوية الوفاض، ولم يتحسن وضعها
التنموي بل زادت حدة الفقر والتخلف بها.
ولتحقيق ذلك يكون على الدول
الإفريقية تنقية مناخها الاستثماري
والاقتصادي من السلبيات بأن تضع خلف
ظهرها الاتهامات التي توجه للصين بأنها
تدعم دولا لديها سجل غير مشرف في مجال
حقوق الإنسان، أو أنها تقوم بدور
استعماري جديد في البلدان الإفريقية.
وإذا لم تفعل الدول الإفريقية
ذلك فإن الصين بلا شك سوف تؤدي دورها بشكل
منفرد يسعى لتحقيق مصالحها.
|