بريدك الالكتروني


English

 

الأحد 06 ذى القعدة  1427 هـ -26/11/2006 م

اقتصاديات إفريقية » قضايا اقتصادية » نماء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين

 

"كزرات" نواكشوط.. دبلوماسية التسول

"محمدن ولد أجدود"**

في محيط نواكشوط وعلى مسافة قريبة من مركز المدينة تنتشر أحياء "الكزرات"* أو "العشوائيات" ذات النمط العمراني الخاص والشكل المميز: عُرُشٌ وحظائر وأخبية وأكواخ من الطوب أوالخشب تسد الأفق وتملأ المكان، وأزقة متعرجة تغمرها الرمال وتتزاحم في جنباتها النفايات والأوساخ، إنها تجسيد حي لفوضى المساكن ومثال ناطق لإهدار كرامة المكان وعدم التزام الفرد بأي ضوابط في تفاعله مع البيئة من حوله.

وهي إلى جانب ذلك عالم زاخر بالمتناقضات تسير فيه عربات الحمير بجوار أحدث صيحات السيارات، وتحجب الأفق فيه صحون الأطباق اللاقطة وأعمدة تقوية البث التلفزيوني الصدئة، عالم أفرزته الروح البدوية التي تكره بطبيعتها أجواء الرتابة والانضباط وتضيق ذرعا بالعيش في مجتمع منظم يحكمه القانون، وتسود فيه كلمة السلطة.

إنها مثال مشوه للمجتمع البدوي الذي يتوق إليه سكان نواكشوط بعدما حاصرتهم حياة المدينة، وطوقتهم ظروف العيش في مجتمع متحضر بما تعنيه الكلمة من ازدحام واكتظاظ وسلبية وتفكك لشبكة علاقات القرابة وذوبان للفرد..ورغم السمات والأواصر التي تربط هذه الأحياء بباقي المناطق السكنية في العاصمة في ظل سيادة مصطلح "ترييف المدينة" فإن لهذه الأحياء مواصفات تبقى أوضح فيها من غيرها.

أحياء الانتظار كانت البداية

مثلت أحياء الانتظار في نواكشوط النواة الأولى لظهور هذه العشوائيات حيث ظل هذا النمط غير الثابت من المساكن (خيام –أكواخ خشبية –أخبية..) هو المظهر الأبرز لأحياء العاصمة على مدى سنوات من تأسيس نواكشوط، ومع التوسع العمراني والامتداد الأفقي للمدينة -التي يتجاوز سكانها الآن حدود 700ألف نسمة يتوزعون على تسع مقاطعات- أصبحت أجزاء واسعة مما كان يعرف بأحياء الانتظار جزرا معزولة داخل المخططات العمرانية الجديدة للمدينة، قد تتلاقى أحيانا مع أحياء التعديات أو ما يعرف "بالكزرة" وأحيانا أخرى تبقى معزولة في محيط من المساكن داخل المناطق المخططة إداريا كما هو حال حي الانتظار بمندز أو ما يعرف بـ"كبة المربط".

وعلى هذا الأساس يحمل صفة أحياء التعديات بشكل أو بآخر ما يأتي:
1- ما يعرف بأحياء الانتظار وتمثلها أحياء: مندز، الحي الساكن وأحياء الانتظار بالميناء.
2- الأحياء التي تتصيد المناطق غير المخططة في العاصمة بغية تملكها أو جعلها وسيلة للحصول على حيازات أرضية في مناطق أخرى، وأصبح هذا النوع من الأحياء يشكل امتدادا لمعظم مقاطعات العاصمة وذلك مثل "كزرة" عرفات أو تنسويلم أو توجنين أو تيارات...إلخ.
3- تجمعات سكانية محدودة لا تختلف في شيء عن النمط السابق مع فارق بسيط يتعلق بطبيعة الأرض المحتلة والتي هي هنا في الغالب حيازات أرضية مشرعة أو ساحات عمومية، ويمكن ملاحظة هذا النمط من الأحياء حتى داخل الأحياء الراقية في نواكشوط وعلى أطراف ميناء الصداقة، وفي بعض الساحات العمومية.

أوضاع معيشية مزرية

إحدى عربات بيع المياه يقودها أطفال

ورغم التفاوت البسيط في مستويات المعيشة داخل هذه الأنماط فإنها تتفق في صحة إطلاق مصطلح الحي الشعبي عليها.كما تتفق في العديد من الخصائص، كارتفاع نسبة الإعالة وتدني الدخول مما يجعل أفرادها يمارسون بعض المهن الشاقة والخطرة أحيانا بغية تلبية احتياجات الأسرة.

وفي هذا السياق تحكي إحدى السيدات بعرفات معاناتها في كفاحها من أجل تأمين لقمة العيش لأربعة أطفال هي عائلتهم الوحيدة، فتقول إنها تذهب في الصباح الباكر لتتردد على باب أحد المحسنين حيث تجد العشرات قد سبقوها إلى نفس المكان وتنتظر دورها حتى تظفر بما تجود به يد هذا المحسن من نقود أو طعام ثم تأخذ طريق العودة إلى المنزل، مضيفة أن معظم النساء في الأحياء الفقيرة يمارسن بعض المهن الحرة التي تدر عليهن دخلا محدودا كالخياطة أو الصباغة أو إعداد الوجبة الشعبية "الكسكسي"، فيما يذهب الرجال للعمل كحمالة أو بائعي مياه أو سائقين أو صيادين تقليديين...الخ.

وفي هذه البيئات غالبا ما يلتحق الأطفال بالعمل في سن مبكرة وذلك للمساعدة في دخل الأسرة وتقدر إحدى الدراسات عمالة الأطفال في موريتانيا بحوالي 90 ألف طفل وذلك رغم مصادقة موريتانيا على جميع الاتفاقيات الدولية التي تحمي الأطفال وتمنع استغلالهم.

وفي الجانب المعيشي أيضا يشيع في أحياء "الكزرات" استخدام المسكن أو جزء منه كمصدر مباشر للدخل وذلك من خلال تأجيره كمحل تجاري أو ورشة لتصليح الأجهزة أو كغرف للإيجار، وتنتشر في هذه الأحياء تربية الحيوانات الداجنة كالأغنام والأبقار كدليل على روابط السكان بالمجتمع الريفي.

وترتفع فيها حسب المؤشرات الإحصائية معدلات الفقر وتعاني من التذبذب الحاد في توفير الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء حيث يعتمد السكان في الغالب على براميل المياه المجلوبة على عربات الحمير، لذا يشير تقرير مؤشرات الفقر في العاصمة إلى أن اعتماد الأسر على بائعي المياه المجلوبة بلغ 59.8% سنة 2002.

وفي ظل غياب إمدادات الكهرباء في أحياء "الكزرات" يعمد بعض فنيي الكهرباء إلى إنشاء وصلات كهربائية من خلال أسلاك الهاتف تسمح لزبائنهم بإشباع بعض احتياجاتهم من الطاقة مقابل دفع مبالغ يتم الاتفاق عليها، وتطرح هذه الوصلات من أسلاك الكهرباء الممتدة في أحياء التعديات أكثر من مشكلة لاسيما إبان موسم الأمطار.

وتطرح المياه في هذه الأحياء ليس فقط مشكلة الندرة والتذبذب، وإنما مشكلة سلامتها من التلوث، وذلك بسبب الاعتماد على الوسائل التقليدية في نقلها وتخزينها، هذا فضلا عن انتشار التسرب من التعليم والبطالة وعمالة الأطفال.

وفي الجانب الاجتماعي كذلك تحتفظ كل المكونات السكانية بطابعها الخاص وعاداتها المتعلقة بالزواج والأفراح وقضاء أوقات الفراغ مع ملاحظة النقص الحاد في الأماكن العامة المخصصة لهذه المهام، مما يدفع الشباب أحيانا إلى تأجير منازل خاصة لهذه الأغراض، ويستخدمها كأوكار للرقص والاختلاط احتفاء بأعياد رأس السنة أو بعطلة نهاية الأسبوع.

مشكلة لها جذور

ولهذا التدني في الأوضاع المعيشية في أحياء "الكزرات" أسبابه، فمن الناحية الاقتصادية يربط بعض الباحثين بين تنامي الفقر وعامل الهجرة إلى العاصمة خلال العقود الثلاثة الأخيرة التي شهدت فيها البلاد موجات حادة من الجفاف والتصحر أدت إلى هجرة الكثير من المزارعين من أماكن إقامتهم بالداخل إلى المدن الكبرى وكان نصيب العاصمة نواكشوط من هذه الهجرات النصيب الأوفر.

وتشير بعض الإحصائيات إلى انخفاض نسبة البدو الرحل من 80% من عدد السكان سنة 1960 إلى 50% فقط عام 2000 فيما قدرت بيانات إستراتيجية مكافحة الفقر أن نسبة 49.6% من السكان المقيمين في الأحياء غير المخططة بنواكشوط يعيشون تحت عتبة الفقر العليا، في حين تبلغ النسبة في الأحياء المخططة 20.8%، وكانت النسبة على مستوى عتبة الفقر الدنيا 37.4% في أحياء "الكزرات" و11.1% في الأحياء المخططة (الحد الأعلى للفقر 2دولار للفرد في اليوم والأدنى دولار).

وقد تعزز هذا البعد حسب بيانات مؤشر الفقر في نواكشوط مع تنامي زيادة العاطلين عن العمل وفشل الخطط الاقتصادية وانتهاج سياسات ليبرالية تجافي مجانية الخدمات التعليمية والصحية، فضلا عن استشراء ظاهرة الفساد الإداري ونهب مخصصات مشاريع التنمية واختلال المنظومة التعليمية.

وعلى المستوى الاجتماعي ساهم تأصل عقليات الاتكالية والعزوف عن العمل الحرفي وارتفاع معدلات الأمية بين السكان في زيادة الإحساس بالمشكلة.

إجراءات حكومية عاجزة

الأطباق الهوائية فوق المنازل أبرز التناقضات في كزرات نواكشوط

ورغم هذه الأوضاع المعيشية السيئة فإن تعامل الحكومة مع القضية اكتنفه بعض الظلم، حيث اكتفت بترحيل بعض هذه الأحياء قسرا إلى مناطق مخططة بأطراف المدينة أطلقت عليها أسماء جذابة مثل "البصرة، الرياض، دار النعيم، دار البركة، دار السلام...إلخ "فيما اختزنت لها الذاكرة الشعبية أسماء منفرة من قبيل: لمز يلكه، ملح، بل واجهر، والحي الساكن...إلخ"، وقامت بتخطيط هذه الأحياء لمستفيدين جدد.

وقد ولد ذلك شعورا بالغبن وإحساسا بالظلم في نفوس الكثيرين، خاصة أن عمليات الترحيل لم يصحبها أي تغير في الأوضاع المعيشية، فقد تمت إلى مناطق تفقد أبسط مقومات الحياة وتقع في مناطق بعيدة عن مرافق العاصمة، كما أنها لم تشمل كل الأحياء.

وهو ما فتح المجال لتأويلات شتى حول أسباب الإبقاء على الواقع المزري الذي يعيشه سكانها حيث يرى فيه البعض ما أسماه بـ"دبلوماسية التسول" التي تركز على تسويق معاناة هذه الأحياء للحصول على الدعم الخارجي والمساعدات الغذائية.

فهل يحمل المستقبل القريب أي تغيير خاصة بعد أن شهدت موريتانيا تغيرا إيجابيا في الحياة السياسية تمثل في الانتخابات النيابية والبلدية التي أعلنت نتائجها يوم الأربعاء 22 نوفمبر 2006 وتمت في جو ديمقراطي، أم سيكون الانتظار من نصيب سكان أحياء الانتظار؟.


* الكزرات، كلمة من اللهجة الحسانية بموريتانيا، وهى مشتقة من "كزر" أي استولى على الشيء.

** كاتب موريتاني ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للصفحة namaa@iolteam.com

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع