بريدك الالكتروني


English

 

14:00 مكة - الخميس 7 شعبان 1427 هـ - 31/08/2006 م

اقتصاديات عالمية » قضايا اقتصادية » نماء
أرسل لصديق
 
 
 

 

تحرير الزراعة صراع لم تحسمه الدوحة

أماني علي**

صغار المزارعين أشد الناس تضررا من اشتراطات الدول المتقدمة لتحرير التجارة

في الوقت الذي كان الاقتصاديون يترقبون فيه بمزيد من الأمل مفاوضات الدوحة الخاصة باتفاقية التجارة العالمية المعروفة اختصارا "بالجات" والتي اختتمت فعالياتها نهاية يوليو 2006، جاءت النتائج التي خرجت بها لتقضي على هذا الأمل، فها هي المفاوضات تفشل من جديد، على الرغم من الوعود الغربية مع بدئها في نوفمبر 2001 بتجاوز الخلافات لتقليل الفرق بينها وبين دول الجنوب كسبيل لمقاومة الفقر بتلك الدول وتحقيق نمو سريع للاقتصاد.

وكانت بداية المفاوضات قد أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث أكدت الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية أن ظاهرة التطرف في الدول النامية وقيام أفرادها بعمليات إرهابية هي أمر نابع من الفقر وعدم اهتمام الدول الغنية بمعالجته بل استفادت منه لصالحها. ولكن على ما يبدو فقد كانت المصالح أقوى من الالتزام بالوعد، فجاءت النتائج مخيبة للآمال، ولعب كالعادة قطاع الزراعة الدور الأساسي في الوصول لتلك النتائج.

السياسة قالت كلمتها

فمجددا ثارت قضية الدعم الذي تقدمة دول الشمال لمزارعيها بما يؤدي لتقليل التكاليف التي يتحملها المزارعون المحللون، ويمنع المزارعين الأجانب من دخول أسواقهم بسبب عدم قدرتهم على منافسة الأسعار المنخفضة، فرغم التناقض الواضح لهذا المبدأ مع المبادئ التي قامت عليها منظمة التجارة العالمية، فإنه لم يحسم بعد، وكان السبب الأقرب إلى الأذهان أن مفاوضي دول الشمال تعرضوا إلى ضغوط من قبل كبار المزارعين حتى لا يتم التنازل عنه، وظهر من يقول إن جورج بوش اضطر للخضوع لها في النهاية لضمان فترة رئاسية جديدة.

كما قال البعض الآخر إن مرشحي الرئاسة في فرنسا لعام 2007 رضخوا لهذا الضغط لضمان الفوز بأصوات المزارعين.

ومع الاحترام الشديد لهذا التفسير فإن النظرة المتعمقة للأمور تقودنا إلى التبرير الأكثر منطقية، والذي يعتمد بشكل كبير على تحليل سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية، فهذه السياسة تعتمد بشكل كبير على المعونات التي تقدمها للبلدان النامية وبالتالي فإن إلغاء الدعم لمزارعي أمريكا سوف يؤدي إلى تقلب في أسواق القمح والألبان -وهما أهم سلعتين في سلة المعونات الأمريكية- ويقلل من إنتاجهما مما يمحو الفائض الزراعي الذي تستغله الحكومة الأمريكية للضغط على دول العالم الثالث من أجل تحقيق أهداف سياستها الخاصة.

كما سيؤدي إلغاء الدعم إلى ارتفاع البطالة بسبب تسريح العاملين في مجال الزراعة التي تعتمد بشكل كبير على العمالة الكثيفة.

ولذلك قامت الولايات المتحدة -لتتفادى تلك المشاكل- بمطالبة الدول الأخرى بإلغاء التعريفات على السلع الزراعية وغير الزراعية مقابل الموافقة على إلغاء دعم الصادرات وبالتالي لم يتوصلوا إلى اتفاق.

مظهر آخر للظلم

ولم يتوقف الأمر عند هذا الإجحاف البين، بل طالبت دول الشمال بوضع تعريفة أكبر على السلع الزراعية المصنعة عن الموضوعة على السلع غير المصنعة، وبالتالي ستظل الدول النامية متخصصة في الإنتاج الزراعي البدائي؛ لأنها إذا بدأت في التصنيع فستجد أسواق الدول المتقدمة مغلقة أمامها وبالتالي لن تستطيع منافسة تلك الصناعات المتقدمة على أي حال من الأحوال لأن أسعارها ستكون أغلى من نظيرتها في أسواق دول الشمال بفارق التعريفة الجمركية وكذلك الدعم المقدم من قبل الحكومات لمصنعيها.

فعلى سبيل المثال تفرض الولايات المتحدة تعريفة عالية على الإيثانول تصل إلى 0.54 دولار للجالون الواحد في حين أنها لا تفرض أي تعريفات على مواد خام أخرى كالنفط نظرا لأهميتها الإستراتيجية بالنسبة لها، ومن ناحية أخرى لتشجيع وتحفيز الدول النامية على تصدير المنتجات الخام ووقف أي عملية تصنيعية بها.

ضرورة استبعاد الزراعة

ورغم هذه الصورة القاتمة فإن الكثير من المعنيين بالقضية لم ييأسوا من طرح حلول لها، فكان على رأسهم جوزيه بوفيه عضو رابطة الفلاحين بفرنسا الذي قال: "إن الزراعة ليست سلعة، وذلك هو السبب الرئيسي لفشل أي محادثات تتعلق بها منذ إدخالها في محادثات منظمة التجارة العالمية سنة 1986".

ويرى بوفيه ضرورة إخراج الملف الزراعي من أي محادثات مبررا ذلك بقوله: إن 90% من الإنتاج العالمي المرتبط بها يتم استهلاكه محليا و10% فقط تقوم على أساسها التجارة العالمية. وبالتالي لا يمكن وضع قوانين تحكم الإنتاج، في حالة أن 10% فقط منه يتم التجارة فيه عالميا.

هذا بالإضافة إلى ضرورة مناقشة مبادئ أخرى أهم مثل السيادة الغذائية، أي حق الشعوب في إطعام أنفسها، وهو ما نص عليه الميثاق الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة.

كما يجب أن تضع المنظمة قوانين ضد الإغراق، وهي ظاهرة تعرف بدخول كميات كبيرة من سلعة ما في السوق عن طريق جهة واحدة مما يؤدي إلى تخفيض سعرها إلى أقل من تكلفتها مما يحمل منتجيها المحليين خسائر فادحة.

وهذا ما تقوم به الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، حيث تصدر فائضها الغذائي للدول النامية مما يؤدي إلى إغراق أسواقها على حساب المزارعين المحليين.

ويطالب بوفيه منظمة التجارة العالمية في نهاية تعليقه بضرورة الاهتمام بقضايا أخرى أهم من تلك المتعلقة بالتعريفة الجمركية إذا كانت حقا تنوي تحقيق أهدافها المتعلقة بتقليل الفقر، وتعد مشكلة فقر المزارعين من أهم المشاكل التي يعاني منها الكثير من الفلاحين في بلدان الدول النامية؛ ولذلك يجب على منظمة التجارة العالمية علاجها بدلا من التحدث عن تحرير التجارة وإلغاء التعريفات؛ لأنها بذلك لا تنصف صغار المزارعين الذين يعيشون تحت خط الفقر.

دس السم في العسل

ويختلف د.أحمد غنيم الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة مع الرأي السابق، مؤكدا أنه كمن يدس السم في العسل، فإذا كان الهدف كما قال في النهاية هو علاج فقر المزارعين، فإن التمسك بالملف الزراعي وسيلتنا لعلاج هذا الفقر، ولا بد أن نقاتل حتى يتم إلغاء الدعم المقدم من دول الشمال للمزارعين بدولهم، لا أن يأتي من يقول بأن حذف هذا الملف هو الحل.

ويضيف أن رفع الدعم سيؤدي لاختفاء الفائض الزراعي في دول الشمال وفي ظل التجارة الحرة سوف ترتفع الأسعار العالمية نتيجة لاختفاء هذا الفائض وبالتالي سوف تستفيد الدول النامية المصدرة مما يؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع المستوى المعيشي للمزارعين.

موافقة مشروطة

ويختلف الخبير الاقتصادي المصري فخر الدين الفقي مع ما ذهب إلية د.غنيم، معتبرا أن تحرير التجارة سوف يزيد من حدة الفقر بسبب الأمية التكنولوجية الموجودة في الدول النامية مما يؤدي إلى عدم قدرتها على منافسة الدول المتقدمة ذات الإنتاجية العالية.

خاصة مع تحول الزراعة من الشكل التقليدي إلى زراعة تكنولوجية تعتمد في الأساس على الهندسة الوراثية وعلى الثورة التكنولوجية وتسجيل براءات الاختراع.

ولذلك فإن علاج الأمية التكنولوجية هي السبيل للمنافسة، ووقتها يمكننا أن نقول إن تحرير التجارة سيفيد السلع الزراعية.

وعلى ذلك يتضح أن الدول النامية ما تزال حتى الآن عاجزة عن وضع إستراتيجية موحدة، فيما يتعلق بقضايا منظمة التجارة العالمية، ومن ثم فإن ما تريده دول الشمال سوف يتحقق إن عاجلا أو آجلا، وسيقتصر دورنا وقتها على التعامل مع الوضع الذي يفرض علينا، بعد أن ضيعنا فرصة المشاركة في صياغة هذا الوضع.


** باحثة اقتصادية.

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع