 |
|
باموك التركي الذي تقلد جائزة نوبل للآداب |
لا شك أن كل ابن من أبناء الشرق
يثبت جدارته في جانب من جوانب الحياة
يستحق الاحتفاء، إلا أن هذا لا يمنعنا من
التساؤل عن سر اختيار أحد أدباء تركيا "أورهان
باموك" Orhan Pamuk للفوز بجائزة نوبل في
الأدب لعام 2006، خاصة إذا تزامن هذا
الاختيار مع قرار مثل قرار البرلمان
الفرنسي لتجريم كل من ينكر إبادة الأتراك
للأرمن خلال الحرب العالمية الأولى.
والتساؤلات التي تثور هنا: هل هذه
الجائزة مبرأة من الهوى السياسي الأوروبي؟
وهل لم تنجب تركيا من يستحق نوبل
بالمعايير الأدبية والإنسانية ليصبح "باموك"
هو أول حائز لتلك الجائزة منهم، أم أن
القائمين على أمر الجائزة لا يمنحون ابنا
من أبناء الشرق جائزة إلا إذا وافق ما
يقوله ويعتقده -كله أو بعضه- هوى لديهم؟
دعونا نتجول في عالم "أورهان باموك"،
وفي أجواء جوائز نوبل "الشرق"
المثيرة للجدل..
باموك.. من هو؟
"أورهان باموك" كما تنبئنا
عنه موسوعة "الويكيبيديا"، هو أديب
تركي ولد في 7 يونيو عام 1952 لأسرة ميسورة
ذات ثقافة فرنسية، اشتهر بأسلوبه ما بعد
الحداثي في كتابة الرواية، وقد تأثرت
شهرته داخل وطنه حينما قاضاه عدد من
المحامين ينتمون لمؤسستين تركيتين من ذوي
الاتجاهات الوطنية المتطرفة عام 2005 بسبب
بيان أصدره حول إبادة الأرمن فيما بين
عامي 1915-1917، وتعرض الأكراد لمذابح في
الأناضول راح ضحيتها حوالي 30 ألفا منهم،
بحسب البيان.
لكن تلك الشهرة ذاعت في الغرب
وازدادت مقروئية أعماله لنفس السبب نتيجة
لما أثاره الإعلام الغربي من ضجة حول تلك
القضية، معتبرا إياها انتقاصا من حرية
التعبير، وقد ترجمت أعماله إلى أكثر من
أربعين لغة عالمية نتيجة لتلك الضجة.
بدأ "باموك" دراسته في كلية
روبرت بإستانبول، ثم درس العمارة بضغط من
أهله في جامعة إستانبول التقنية، لكنه لم
يتم دراسته؛ حيث خرج بعد ثلاثة أعوام من
الدراسة ليتفرغ للكتابة، ثم إنه تخرج
بعدها في معهد الصحافة في جامعة إستانبول
عام 1976، وقد قام بالتدريس في جامعة
كولومبيا بالولايات المتحدة كأستاذ زائر
في الفترة من 1985 إلى عام 1988، كما درس في
جامعة لوا في الفترة نفسها.
تزوج "باموك" من "أيلين
توريجين" عام 1982، وانفصلا عام 2001، وله
من زواجه ابنته الوحيدة "رؤيا". و"لباموك"
شقيق آخر مشهور عالميا يعمل أستاذا لتاريخ
الاقتصاد في جامعة بوغازيجي في إستانبول،
هو الأستاذ "شوكت باموك".
المسيرة الأدبية
 |
|
أحد مؤلفات باموك |
بدأ "باموك" العمل بانتظام
في مجال الكتابة منذ عام 1974، نالت روايته
الأولى "الظلام والنور" جائزة ميلليت
للرواية الصحفية عام 1979 مناصفة مع "محمد
إروغلو"، وقد نشرت الرواية عام 1982 باسم
"جودت بيه وأبناؤه"، ونالت جائزة "أورهان
كمال" الأدبية عام 1983، وهي تحكي قصة
أسرة إستانبولية ثرية تعيش في حي
نيشانتاشي الذي نشأ فيه "باموك".
وقد نال "باموك" جوائز عدة
للنقد الأدبي عن أعماله الروائية الأخرى؛
فروايته الثانية "منزل الصمت" نالت
جائزة "مادارالي للرواية" عام 1984،
كما نالت الترجمة الفرنسية للرواية جائزة
"بركس دي لا كوفرت أيوروبيان" عام 1991.
أما روايته الثالثة "القلعة
البيضاء" التي نشرت بالتركية عام 1985 فقد
نالت "الجائزة المستقلة للرواية
الأجنبية" عام 1990، وهو ما وضعه على أول
طريق الشهرة خارج تركيا؛ إذ نوهت عنها
صحيفة نيويورك تايمز قائلة: "لقد ولد
اليوم نجم شرقي جديد اسمه "أورهان باموك"،
وسلك بها لنفسه أسلوبا جديدا في الرواية
ما بعد الحداثية بدلا من أسلوبه الذي كان
يجنح للمذهب الطبيعي الصارم في أعماله
الأولى".
وقد جاءت الشهرة الشعبية لباموك
متأخرة؛ إذ أثارت روايته التالية "الكتاب
الأسود" الصادرة عام 1990 جدلا، ونالت
شهرة شعبية كبيرة من بين الأعمال الأدبية
التركية، وهي الرواية التي تحولت إلى فيلم
سينمائي بعنوان "وجه السر" كتب لها
باموك القصة السينمائية عام 1992، وأخرجها
المخرج التركي الشهير "عمر كاوور".
أما روايته الخامسة "حياة
جديدة" الصادرة عام 1995 فقد صارت أسرع
الروايات بيعا في التاريخ التركي، وفي نفس
ذلك التاريخ اشتهر "باموك" كأحد أبرز
الوجوه التركية المدافعة عن حقوق الأكراد؛
وذلك إثر نشره عدة مقالات انتقد فيها
السياسة التركية تجاه الأكراد.
وفي عام 1999 نشر عمله القصصي "الألوان
الأخرى"، وقد طابقت شهرة باموك
العالمية عندما نشر روايته "اسمي أحمر"
عام 2000، وهي الرواية التي تدور في أجواء
إستانبول في القرن السادس عشر، وتجمع ما
بين الأسطورة والرومانسية والأحاجي
الفلسفية، وتتناول فترة السلطان العثماني
مراد الثالث، وتدعو القارئ لتأمل أجواء
التوتر ما بين الشرق والغرب في تلك الفترة،
وقد ترجمت الرواية إلى 24 لغة، ونالت "جائزة
إيمباك دبلن" عام 2003.
وفي عام 2002 نشر أحدث رواياته "الجليد"،
التي تعكس أجواء التوتر الإسلامي-العلماني
في تركيا الحديثة، وهي الرواية التي عدتها
نيويورك تايمز واحدة من أفضل الروايات في
عام 2004.
وفي عام 2005 نشر كتابه "
إستانبول.. ذكريات مدينة"، وفي نفس
العام نال "باموك" جائزة السلام
لرابطة الكتاب الألماني، وهي أقيم جوائز
الكتب الألمانية التي منحت له في كنيسة
باول في فرانكفورت عن مجمل أعماله الأدبية
التي "تفتح آفاقا للتعايش بين أوروبا
وتركيا الإسلامية".
وأخيرا، نال جائزة نوبل في
الآداب كأول أديب تركي ينالها في الثاني
عشر من أكتوبر عام 2006.
وتتميز أعمال باموك الأدبية -كما
تعبر الموسوعة- بارتباك الهوية التي تعود
في جزء منها إلى الصراع بين القيم
الأوروبية والإسلامية، لكنها تتميز أيضا
بالعمق والتعقيد في تناول الشخصيات
والأحداث، كما تتميز أيضا -بحسب نفس
المصدر- بتماسها الدائم مع مكان التوتر
عميق الجذور بين الشرق والغرب، والتقاليد
والعلمانية.
من أجل هذا كانت الجائزة
في مقابلة لـ باموك مع وكالة
الأنباء السويسرية "داس ماجازين"
أجراها عام 2005 أشار باموك إلى أن هناك
ثلاثين ألفا من الأكراد، ومليون أرمني
تعرضوا للقتل على هذه الأرض (التركية)، ولم
يجرؤ أحد على الحديث عنهم سواي".
وقد أضاف أنه تعرض لحملة كراهية
أجبرته على مغادرة تركيا، غير أنه عاد
إليها في أواخر 2005 ليواجه القضية المرفوعة
ضده بسبب تلك التصريحات.
وفي مقابلة مع إذاعة الـ"بي. بي.
سي" قال: إنه عاد ليدافع عن "حرية
التعبير"، وأن ما حدث للأرمن
العثمانيين عام 1915 هو حدث كبير تم إخفاؤه
من تاريخ الدولة التركية، حتى صار من
المحظورات، لكننا يجب علينا أن نعبر عن
قدرتنا على الحديث بحرية حول ذلك الماضي.
وقد أصر على نفس آرائه حال حديثه
في أكتوبر من عام 2005 في أثناء الاحتفال
بتسلمه الجائزة الألمانية قائلا: "إنني
أكرر وأقول: إن مليون أرمني و30 ألف كردي قد
قتلوا في تركيا"، وقد حوكم باموك بموجب
مادة جديدة في قانون العقوبات تنص على أن
كل من يهين تركيته، أو الجمهورية أو
الجمعية العامة الوطنية التركية يتعرض
للسجن مدة تتراوح ما بين 6 أشهر وثلاثة
أعوام.
وقد أسقطت المحكمة عن "باموك"
تهمة إهانة الجيش التركي في 25 ديسمبر عام
2005، إلا أنها أبقت على تهمة إهانة انتمائه
التركي، وفي 22 يناير 2006 قررت المحكمة
إسقاط التهمة عنه، وهو ما ووجه باعتراضات
وتجمهرات محلية معارضة لذلك القرار.
على المستوى الأوروبي والعالمي،
فقد جعل مفوض توسيع عضوية الاتحاد
الأوروبي "أولي رين" من قضية باموك
اختبارا لأهلية تركيا للانضمام لعضوية
الاتحاد، كما صدرت عدة بيانات احتجاج من
قبل المنظمات الدولية لحقوق الإنسان
كمنظمة العفو، والاتفاقية الأوروبية
لحقوق الإنسان، ومركز القلم الأمريكي..
وغيرها، كما اختارته مجلة تايم في عدد
إبريل 2006 كأحد أهم 100 شخصية عالمية.
وقد تعرض باموك لانتقادات واسعة
في الأوساط الثقافية التركية التي انتقدت
تركيزه على انتقاد تركيا والأتراك، وأن
ذلك لم يكن إلا لفتا للأنظار إليه من أجل
الحصول على الجائزة، وأن أدباء آخرين من
أمثال: "يشار كمال الكردي" التركي
الذي تناول مأساة الأكراد أيضا في أعماله
الأدبية لم ينل مثل ما نال باموك من اهتمام
بالرغم من شهرته العالمية أيضا. كما
اتهموه، وأشاروا إلى أن منح الجائزة
لباموك لم يكن لأعماله الأدبية وإنما
لآرائه النقدية التي أعلنها حول الأرمن
والأكراد.
نوبل وإثارة الجدل
في النهاية، فإننا لا نملك أن
نبرئ ساحة القائمين على جائزة نوبل من
الهوى في اختيار الروائي التركي، إن لم
يكن بما ذكر من اتهامات، فبالرغبة الدائمة
في إثارة الجدل باختياراتهم، ورغبتهم في
اتهام الشرق دائما بكل نقيصة في ثوب
تكريمه.
إن في اختيارهم لمحفوظ بسبب
روايته أولاد حارتنا برمزيتها التي تشير
إلى فكرة "موت الإله" كما عبر
القائمون على الجائزة في حفل تسليمها، هذا
بينما يملك محفوظ من الإنتاج الأدبي ما
يفوق تلك الرواية التي لم يتحمس حتى وفاته
لإعادة طبعها. أو وفي اختيارهم لشيرين
عبادي لجائزة نوبل للسلام لتوجيه أصابع
الاتهام لإيران في ملفي المرأة وحقوق
الإنسان، أو في اختيارهم أخيرا "باموك"
في جائزته الأدبية لتوجيه أصابع الاتهام
في قضيتي الأرمن والأكراد، وإن كان ذلك لا
يعني موقفا مؤيدا لسياسة تركيا أو إيران
في هذه القضية أو تلك، أو انتقاصا من ملكة
نجيب محفوظ أو "باموك" الأدبية أو من
نضال شيرين عبادي الحقوقي.
|