 |
|
إتجاة إيران لليورو.. هل يهدد عرش الدولار؟ |
بالرغم من اختلاف التوجهات
والمصالح الوطنية العربية مع سياسة
التخريب والتدمير التي تنتهجها إيران
إزاء العراق، والتي تستهدف تدمير وحدة
هذا البلد العربي الكبير من خلال إشعال
الفتن الطائفية فيه لتمزيقه طائفيا،
سواء من خلال الأعمال المباشرة لأجهزتها
الأمنية وقواتها المندسة داخل العراق،
أو من خلال أعمال تقوم بها الميليشيات
الإرهابية العميلة لها في العراق وتؤدي
لتحقيق نفس الهدف...بالرغم من هذا إلا
أننا لا ينبغي أن نخلط بين هذا الموقف وبين
وجود الحق، كل الحق لدي إيران فيما يتعلق
بالبرنامج النووي الإيراني، الذي تديره طهران بكفاءة عالية ومرونة
ملفتة. وفي سياق صراع الإرادات بين
طهران وواشنطن، اتخذت إيران قرارا
استراتيجيا بتسوية كل معاملاتها الخارجية
باليورو والذي يعني ضمنا تسعير نفطها به
بدلا من تسعيره بالدولار كما تفعل كل دول
الأوبك والدول المصدرة للنفط عموما.
كما أن احتياطيات النقد الأجنبي الموجودة
لدي البنك المركزي والأوعية المستثمرة
فيها سوف يحدث لها نفس التحول من الدولار
لليورو.
وإذا استمر تطبيق هذا القرار
فإن اليورو سيحل تدريجيا محل الدولار في
كل التعاملات المتعلقة بالنقد الأجنبي
داخل إيران.
لتصبح ضمن ما يمكن تسميته بمنطقة اليورو
أي التي تسوي تعاملاتها والتزاماتها
الدولية به وليس بالدولار.
قرار في وقت مناسب
وقد اتخذت طهران هذا القرار
في توقيت ملائم للغاية، حيث كانت
اللجنة الدولية التي تبحث ملفها النووي
مجتمعة من أجل بحث الدعوة الأمريكية لفرض
عقوبات ضد إيران وهو الاجتماع الذي فشل في
التوصل لقرار موحد بشأن المواجهة مع إيران،
وبما أن القرار الإيراني بالتحول لليورو
هو بمثابة دعم قوي للعملة الأوروبية في
مواجهة الدولار الأمريكي، في صراعهما
على وضع عملة الاحتياط الدولية، فإن ذلك
أكد قوة المصالح المشتركة بين أوروبا
وإيران كعامل مؤثر في تحديد الموقف
الأوروبي من إيران.
وتجدر الإشارة إلي أن إيران بناتجها
المحلي الذي بلغ196 مليار دولار عام2005,
وبناتجها القومي الذي يبلغ أكثر من545
مليار دولار إذا تم احتسابه وفقا لتعادل
القوي الشرائية بين العملة الإيرانية
وبين الدولار، وبتجارتها السلعية
والخدمية الخارجية التي بلغت نحو130
مليار دولار في العام الحالي،
وباحتياطياتها من العملات الحرة التي
تزيد على30 مليار دولار، يمكن أن تشكل
قوة دعم مؤثرة لليورو.
القرار الإيراني
والموازنة الأمريكية
ويذكر أن الولايات المتحدة
استخدمت وضع الدولار كعملة احتياط دولية
في سد عجز الموازنة الأمريكية، وعمدت
منذ عهد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد
ريجان إلي الإفراط في الإصدار النقدي
لتمويل الإنفاق العام أو ما يشبه
التمويل بالعجز في البلدان النامية،
معتمدة على أن الطلب على الدولار لا يتحدد
في السوق الأمريكية فقط، بل إن هناك طلبا
دوليا عليه يتوسع باطراد مع زيادة حجم
التجارة الدولية في السلع والخدمات التي
يشكل الدولار العملة الرئيسية في تسوية
مدفوعاتها. وبالتالي فإن توسعها في
الإصدار النقدي بدون مبررات اقتصادية
أمريكية حقيقية لا يؤدي إلي اضطراب نقدي
أو إلي زيادة التضخم بدرجة كبيرة، طالما
أنه تتم تغطيته بطلب عالمي في ظل توسع
التجارة الدولية في السلع والخدمات.
وقد بلغ المجموع التراكمي لعجز
الموازنة العامة للدولة في الولايات
المتحدة والذي لم ينقطع منذ عام1970 حتي
عام1997, نحو3400 مليار دولار, ثم
حققت فائضا بلغ558 مليار دولار من عام1998
حتي عام2001, ثم عادت للعجز الذي بلغ1345
مليار دولار من عام2002, إلي عام2005,
حسب بيانات صندوق النقد الدولي. وهذا
العجز الضخم, يعني أنه كان على الحكومة
الأمريكية أن تقترض من الداخل والخارج
لمواجهته, لكنها واعتمادا على وضع
عملتها كعملة احتياط دولية طرحت سندات
وأذون خزانة وتم بيع جانب مهم منها
للأجانب.
ولعل النموذج الذي ضربته الولايات
المتحدة خلال مواجهتها للآثار الاقتصادية
السلبية لأحداث11 سبتمبر، هو خير دليل
على سوء استغلال هذه الدولة لوضع عملتها
كعملة احتياط دولية, فبعد وقوع تلك
الأحداث مباشرة، قام بنك الاحتياط
الفيدرالي الأمريكي( البنك المركزي
الأمريكي)، بإضافة سيولة نقدية قدرها81.25
مليار دولار لتمويل مواجهة الأزمة.
ولأن هذا الإصدار النقدي ليس له غطاء من
الإنتاج أو المعادن النفيسة، فإنه يعني
تحميل الاقتصاد العالمي بجانب كبير من
العبء الاقتصادي الأمريكي الناجم عن
أحداث11 سبتمبر عوضا عن أن تتحمل
الولايات المتحدة أعباءها بنفسها.
وهذا الإجراء هو صورة من ريع الوضع
المهيمن للدولار في سلة عملات الاحتياط
الدولية.
أما العجز التجاري الأمريكي
المتراكم خلال الربع قرن الأخير من عام1981
حتي عام2006 فقد بلغ6817 مليار دولار،
وهو عجز لم يستطع الفائض المحدود في
تجارة الخدمات الأمريكية أن يعوضه، فظهر
عجز في ميزان الحساب الجاري الأمريكي في
الفترة نفسها، بلغ نحو6199 مليار دولار.
وهذا العجز الهائل يعني أنه كان على
الولايات المتحدة أن تحصل على قروض خارجية
بنفس القيمة لسد هذا العجز، أو تعلن
إفلاسها، لكنها اعتمدت على تدفق
الأموال الأجنبية إليها في ظل حقيقة أن
عملتها هي عملة الاحتياط الدولية
الرئيسية، كما اعتمدت أيضا على التوسع
في الإصدار النقدي بالتوازي مع تزايد
الناتج العالمي والتجارة الدولية ، وليس
بالتوازي مع تزايد الناتج الأمريكي كما هو
مفترض بالنسبة للدول العادية.
خطوة تلزمها خطوات أخرى
وقد أصبحت الهيمنة الدولية
للدولار مهددة جديا في الأجل الطويل بعد
تقدم اليورو بنجاح, وبعد بدء العديد من
البلدان في التحول إلى عملات حرة إقليمية
في تسوية مدفوعاتها الدولية. بل إن
المجال أصبح مفتوحا والظروف تزداد تهيؤا
أمام التصاعد المستقبلي لقوة عملات ليس
لها وضع دولي يذكر في الوقت الراهن مثل
العملة الصينية التي يقف وراءها اقتصاد
عملاق ينمو بسرعة صاروخية. لكن
الولايات المتحدة التي تمتعت طويلا
بمزايا كون عملتها هي عملة الاحتياط
الدولية الرئيسية، لن تستسلم لهذه
التغيرات بسهولة. ولا يمكن للعالم أن
ينسي العبث الذي قام به الأمريكيون، وعلى
رأسهم المضارب الأكثر شهرة جورج سورس في
أسواق العملات الأوروبية في عام1992،
عندما كانت أوروبا تتهيأ لبدء السوق
الموحدة وتتقدم باتجاه العملة الموحدة
الحقيقية وليست الحسابية. وقد أدت
المضاربات الأمريكية المدمرة في أسواق
العملات الأوروبية إلى أكبر اضطراب نقدي
تشهده القارة الأوروبية مما أدى لاضطراب
آلية أسعار الصرف الأوروبية وخروج
الإسترليني والبيزيتا الإسبانية والليرة
الإيطالية منها في سبتمبر عام1992 ، وقد
عادت الليرة والبيزيتا إلي آلية أسعار
الصرف الأوروبية ودخلتا في العملة
الموحدة اليورو، بينما خرج الإسترليني
ولم يعد حتي الآن مما أفقد العملة
الأوروبية الموحدة ثاني أهم عملة أوروبية
بعد المارك الألماني.
ومن المؤكد أن القوي الاقتصادية العملاقة
المتحققة حاليا مثل أوروبا واليابان،
والقوي الصاعدة بقوة في آسيا وعلى رأسها
الصين سوف تعمل بقوة ثقلها الاقتصادي
الصاعد على إعادة تشكيل صورة الاقتصاد
العالمي وأوضاع العملات الرئيسية فيه،
وهو أمر لن يكون في مصلحة الدولار
والاقتصاد الأمريكي على الأرجح، خاصة لو
قامت دول أخري بخطوة مماثلة للخطوة التي
قامت بها إيران مؤخرا.
|