بريدك الالكتروني


English

 

الثلاثاء 04 محرم 1427هـ - 23/01/2007 م

القضية العراقية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
 أهم الأخبار

 

إنقاذ العراق من حرب طائفية.. حاجة عربية

العنف المذهبي بالعراق يودي بآلاف الأبرياء من المواطنين

لم يتصور كثيرون ممن عارضوا الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين داخل العراق وخارجه، أنهم سيتعاطفون معه في يوم من الأيام حتى لو كان في لحظة إعدامه، ولم يتوقع الكثيرون تزايد ردود الفعل الغاضبة في الشارع العربي والعراقي والعالمي، تجاه نزاهة المحاكمة، والروح الانتقامية التي تحكمت في مسارها، والشعارات الطائفية التي تخللت لحظة إعدامه، وأدانتها منظمات حقوقية عربية ودولية.

تزايد الاحتقان الطائفي

ساهمت طريقة محاكمة صدام في إذكاء الانقسام المذهبي عراقيا، وعكست الطريقة الاستعلائية التي تعامل بها رموز الحكم مع تداعيات الإعدام حالة ضعف وليس قوة، ساهمت في عزلة الحكومة العراقية عن محيطها العربي والدولي.

وربما من الصعب أن نجد فرصة تاريخية سنحت لمحاكة "الاستبداد العربي" في شخص صدام حسين، كتلك التي جاءت للحكومة العراقية وأهدرتها، فالرجل امتلك سجلا حافلا في القتل والتدمير، وارتكب جرائم بحق جيرانه العرب والإقليميين، ومارس أبشع أنواع البطش بحق معارضيه من كل المذاهب والتيارات، وكان من الطبيعي أن يشعر كل هؤلاء أنهم مؤيدون أو على الأقل غير رافضين لمحاكمته وربما إعدامه.

وحين لا يتعاطف معظم هؤلاء مع مسار المحاكمة وطريقتها، وحين يشعر معظم المناضلين ضد الاستبداد في العالم العربي وخارجه أنهم بعيدون كل البعد عن خطاب الحكومة العراقية وعن الجديد الطائفي الذي يبنى في العراق، يصبح هناك فشل كبير فيما يعرف بالمشروع الديمقراطي في العراق الذي لن تخفيه اتهامات الحكومة العراقية لكل معارضيها داخل العراق وخارجه "بالصدامية".

والمؤكد أن الأزمة العراقية لا تعود لإعدام صدام، ولا ترجع فقط إلى الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع محاكمته، إنما ترجع إلى الخلل البنيوي الذي نشأ على أساسه النظام الجديد، وأدى في النهاية إلى تكرار الفشل، وزيادة الاحتقان والعنف الطائفي، وإدارة عملية محاكمة صدام بهذه الروح الثأرية، وتهديد كل من يتدخل في "إرادة الشعب العراقي" من الحكومات العربية بقطع العلاقات.

ونسيت الحكومة أنها تعاني من أزمة شرعية في الداخل، وأنها وصلت إلى الحكم بفضل قوات الاحتلال الأمريكي، فعليها التواضع قليلا وعدم الحديث بهذه اللهجة مع ملايين العرب الذين أحبوا العراق بالشيعة والسنة، وتفهموا -ولو على مضض- ظروف اعتماد العراق الجديد على الدعم الأمريكي، ولكن المهم أن يجيء هذا الجديد حاملا الأمن والاستقرار للشعب العراقي، لا القتل على المذهب، وبعدد من الضحايا يفوق بمراحل ضحايا النظام البائد.

الخلل البنيوي.. احتلال المليشيات للدولة

والحقيقة أن بداية الخلل في بنية النظام العراقي تعود أساسا إلى الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع العراق عشية احتلال بغداد في 2004 وسقوط نظام صدام حسين، والذي بدأ بجريمة تفكيك الدولة العراقية وتصور العراق على أنه أرض بكر بدون تاريخ طويل ومعقد.

واعتبرت الثقافة السياسية الأمريكية السطحية أن العراق يحتاج إلى الضغط على زر (عبر الآلة العسكرية الأمريكية) فينهار القديم، ويأتي الجديد محملا بالديمقراطية والازدهار، متصورين أنهم يمكن بسلاسة أن يغيروا كل شيء بدءًا من الرئيس المخلوع والنظام المستبد وانتهاء بالتوازنات الاجتماعية والعرقية والمذهبية، وهو ما أثبت الواقع استحالة حدوثه حتى بعد أن وضع الرئيس الأمريكي "إستراتيجيته" الجديدة.

والحقيقة أن الانهيار الذي أصاب العلاقة بين جانب كبير من الشيعة والسنة يرجع لمجموعة من الأسباب ليس بينها "نظرية الخرائط" التي أعدتها أمريكا وإسرائيل منذ عقود لتقسيم المنطقة، ولا نظريات المؤامرة الرائجة التي تحجب عنا الرؤية وتجعلنا عاجزين عن الحركة والفعل، إنما هي في الحقيقة نتيجة مجموعة من الأخطاء الجسيمة التي وقعت فيها الإدارة الأمريكية وأدت إلى حالة الانهيار التي تشهدها الساحة العراقية.

ولعل أبرز تلك الأخطاء الجسيمة هو حل مؤسسات الدولة العراقية وعلى رأسها الجيش، وهو الأمر الذي أحدث فراغا هائلا في إدارة مؤسسات الدولة، وبدت نظرية "الإحلال والتبديل" الأمريكية غير قادرة على الفعل في بلد معقد مثل العراق.

فمنذ البداية بدا أن استهداف القديم كالجيش ومؤسسات الدولة على أنه يستهدف طائفة بعينها أكثر مما يستهدف نظاما.. صحيح أن هذا النظام وزع جرائمه على كل طوائف الشعب العراقي، ولكن من المؤكد أن الشيعة دفعوا ثمنا أكبر من الظلم والاضطهاد، ليس بسبب طائفية النظام السابق كما هو الحال مع الحكومة الحالية، إنما بسبب أن الشيعة كانوا من أكثر الطوائف التي تمردت على النظام بشجاعة وتضحية، فدفعوا نتيجة ذلك ثمنا أكبر، ولم يستهدفوا على الهوية المذهبية كما يحدث الآن مع السنة.

ولم يكن من الممكن لعملية التغيير الفوري للأسس الاجتماعية والثقافية والسياسية التي قام عليها النظام القديم أن تمر دون أن تحدث شرخا عميقا في النسيج الاجتماعي للشعب العراقي، فالمعركة الأمريكية في العراق لم تكن فقط معركة عسكرية وسياسية، إنما كانت أيضا ذات أبعاد اجتماعية ومذهبية، فاستئصال القديم لم يؤد إلى استئصال النظام السياسي القائم فقط، إنما بدا كأنه عملية إحلال لمشروع جديد ارتكز على الأغلبية العددية الشيعية.

وبدأ الشرخ في العلاقة بين السنة والشيعة حين بدا هدم النظام القديم كأنه انتقاص من "سلطة السنة" وأن الجديد في العراق يعبر عن الشيعة، وأدى ذلك تلقائيا إلى ارتداد قطاعات واسعة من الشيعة عن الانخراط في صفوف المقاومة -التي بدت في نظرهم محاولة لإعادة النظام القديم مرة أخرى وليس فقط مقاومة المحتل.

إن الفراغ الذي حدث من جراء تفكيك الدولة العراقية -التي بدت في أعين قطاع واسع من الشيعة معبرة عن "السنية السياسية" التي حكمت العراق الملكية والجمهورية- لم تملأه دولة القانون، إنما ميليشيات طائفية مارست أسوأ جرائم تطهير عرقي في تاريخ العراق الحديث، ولم يكن العراق مهيئا في تلك اللحظة لهذا "التغير الانقلابي" في بنيته السياسية والاجتماعية والثقافية، وكان أمام الإدارة الأمريكية فرصة لتلجيم ما عرف "بالاستعلاء السني" الذي تعامل بمنطق احتكاري مع حكم العراق، باستبعاد العقل الصدامي عنه، وتحجيم ما بدا أنه هيمنة سنية على شؤون البلاد، وذلك بإقامة نظام قائم مؤقتا على المناصفة الطائفية بين السنة والشيعة والأكراد بحيث لا يبدو فيه بأي حال من الأحوال أن العراق الجديد يبنى لصالح طائفة على حساب أخرى، أو أن العراق القديم كان حليفا لطائفة ضد أخرى.

توازن طائفي جديد

من شأن المرحلة الانتقالية القائمة على "التوازن الطائفي" أن تخلق تراثا مشتركا بين كل الطوائف لبناء العراق الجديد، وتساهم في خلق ثقافة ديمقراطية، لا يشعر معها أي طرف بأن الجديد يعبر عنه فقط، بعيدا عن "معادلة العدد" التي تتغنى بها حكومة التحالف طوال الوقت، ودفعت البلاد نحو كارثة حقيقية، فمسألة أعداد كل طائفة لم تكن هي المدخل لتسوية الحرب الأهلية اللبنانية، ولا الأساس الذي بني عليه لبنان ما بعد اتفاق الطائف، إنما صيغة قائمة على التوازن الطائفي (ولو النسبي) بين القديم والجديد.

إن ما عرف في لبنان "بالمارونية السياسية" تراجعت هيمنته على مفاصل الحكم والبرلمان، حين أصبحت مقاعد البرلمان مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، في الوقت الذي احتفظ فيه الطرف الأخير بمنصب رئيس الجهورية، رغم أن المسلمين في لبنان يشكلون حوالي 60% من عدد السكان، ومع ذلك لم تقم حسابات الخروج من كارثة الحرب الأهلية على أساس "العدد" إنما دخلت اعتبارات ثقافية واجتماعية وسياسية في صياغة الجديد في لبنان، بصورة أدت إلى عدم التعامل بشكل انقلابي مع الصيغة القديمة، إنما قللت من غلوها، وفتحت الباب أمام بناء صيغة جديدة تنهي ثقافة الاحتكار القديمة، وتؤسس لواقع جديد.

وربما كان العراق محتاجا لصيغة جديدة أكثر تشددا من الصيغة اللبنانية في التعامل مع القديم، ولكنها كان لابد أن تعي أنه حين قررت أمريكا تبني الصيغة الانقلابية على الماضي، فإنها في الحقيقة ارتكبت كل الأخطاء الممكنة وغير الممكنة بحق العراق والشعب العراقي، بصورة أدت إلى تفريغ "الجديد الانقلابي" من قيم الديمقراطية ومبادئها وثقافتها، لصالح هيمنة العقل الانتقامي الطائفي لمليشيات المهدي والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية على الحكومة الجديدة.

وبات المشهد شديد الغرابة والتناقض في أن يقوم الطرف المسيطر على الحكم، و"المنتصر" على النظام القديم بممارسة أسوأ أشكال الانتقام والقتل التي عرفها العراق والمنطقة ربما منذ قرون، وتحولت الدولة وأجهزة الأمن الجديدة إلى مرتع للمليشيات الطائفية التي كان من الممكن تفهم دوافعها إذا كانت خارج الحكم والسلطة، كما تفعل بعض الجماعات الإرهابية السنية الواقعة خارج العملية السياسية.

وإذا كان من شبه المستحيل أن تعود الصيغة القديمة إلى حكم العراق، فإن من المؤكد أن البديل الديمقراطي الذي انتظر الكثير مجيئه في العراق قد ولد ميتا، كما أن من المؤكد أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، ولكن البحث عن بديل لإنقاذ العراق لن يكون في خطة أمنية جديدة، ولا بإلغاء قانون اجتثاث البعث، إنما في البحث عن صيغة سياسية جديدة قائمة مؤقتا (وللأسف) على "التوازن الطائفي"، واستئصال المليشيات الطائفية وجماعات الإرهاب التكفيرية، ووضع جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية، وليس جلب المزيد كما قررت إدارة بوش، لأن وجودها يعني تصاعد دور الجماعات الجهادية العنيفة داخل العراق.

في انتظار عراق آخر

من المؤكد أن الجديد في العراق قد فشل بل ساهم في فتح جروح مذهبية تصور الكثيرون أنها أصبحت في حكم التاريخ، وحين يتعامل حكام العراق الجدد بهذه الاستهانة مع مشاعر الرأي العام العربي، ويعتبرون أنهم "نموذج ديمقراطي" تحقد عليه بلاد المنطقة، نصبح أمام خلل هائل في طريقة التفكير وفي العمل السياسي، لأنه لا يوجد عاقل يرغب في تكرار التجربة العراقية في بلاده ويترك دولا عربية غير ديمقراطية لصالح دولة مفككة تقودها المليشيات الطائفية وتقتل مواطنيها على الهوية.

بالتأكيد سيشعر أي عربي مؤمن بالديمقراطية والمساواة بنكسة وبألم حين يجد بلدا مثل مصر -سني المذهب وشيعي الهوى- يبلغ ولعه بآل البيت إلى درجة التشيع، وملأت صور حسن نصر الله -لأول مرة منذ رحيل عبد الناصر- شوارع مصر وصحن أزهره، ومتاجره وبيوت سكانه، ولم يعارض برنامج إيران النووي، لأنه يشعر بخطر برنامج إسرائيل، بل ويعجب بكفاءة النخبة الإيرانية وفاعليتها، وينتقد عجز حكامه، ولكنه يعود بعد مشاهدة إعدام صدام حسين ليهاجم الشيعة، ويتحدث البعض الآخر عن خطر الفرس بدلا من الجارة إيران.

كل ذلك سيجعلنا نعرف حجم الخسارة التي لحقت بالمنطقة من جراء صيغة طائفية جثمت على صدر العراق واعتبرت -في تبجح- كل من يعارضها من "أزلام صدام" سيعيد العراق قرونا إلى الخلف، والديمقراطية في العالم العربي عقودا إلى الوراء.


خبير النظم السياسية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية.elchoubaki@ahram.org.eg

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع