بريدك الالكتروني


English

 

23:00 مكة - الإثنين 17 رمضان 1427هـ - 9/10/2006م

رواق الأفكار » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
 أهم الأخبار

 

علاقات السنة والشيعة أمام مسارين*

د. أحمد الريسوني**

د. أحمد الريسوني

السنة والشيعة يتصارعون ويقتتلون في العراق وباكستان. السنة والشيعة يتفاهمون ويلتحمون في لبنان. العلاقات بين السنة والشيعة تقف اليوم في مفترق طريقين، ويتجاذبها مساران: فإما المسار العراقي الباكستاني، وإما المسار اللبناني الفلسطيني.

ولا أراني مبالغا إذا ذهبت إلى أن أعظم خطر يتهدد العالم الإسلامي والأمة الإسلامية والحركات الإسلامية اليوم، هو أن تمضي العلاقات بين السنة والشيعة وفق التوجه العراقي الباكستاني، أعني سيرها في هذا التوجه بمختلف مراحله وتطوراته، وبكامل نتائجه وانعكاساته.

وبغض النظر عن رجائنا وأملنا، وعن تمنينا وتفاؤلنا، وعن قولنا ودعائنا: ''لا قدر الله'' أو ''لا سمح الله''، بغض النظر عن هذا كله، لا بد لنا من تصور هذا المسار واستحضار تبعاته ومآلاته، المتوقعة أو الممكنة. فإنما يوغل في طريق الشر والهلاك من لا يحسن تصور الطريق ولا يحسن استطلاع الآفاق، ومن لا يحسن قراءة التاريخ ولا يتعظ بغيره. ولذلك قالوا قديما: السعيد من اتعظ بغيره.

وفي الحديث الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه قال: ''كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ...''. فمن لا يعرف الشر، ولا يعرف احتمالاته، ولا يقدر عواقبه وتداعياته، هو أكثر عرضة للتورط فيه وجني أشواكه. وحينما كنت أسمع بعض الإخوة الفلسطينيين يقولون: شعبنا لا يعرف ثقافة الحرب الأهلية، ونحن لا نعرف طريق الحرب الأهلية، كنت أقول في نفسي: هذا أحد شروط الحرب الأهلية. فالانزلاقات لا تحتاج إلى معرفة ولا إلى خبرة، وإنما تحتاج بالذات إلى عدم المعرفة وعدم الخبرة. فمن لا يعرف الحرب الأهلية، ولا يعرف ثقافتها وطريقها معرض لها أكثر من غيره.

لا بد لنا من معرفة الشر وثقافته وفقهه، ولا بد من معرفة آلياته وتداعياته، لكي نكون أكثر قدرة على اجتنابه ودفعه.

المسار الأول ومخاطره

ما يجري في العراق اليوم، ومنذ ثلاث سنوات، هو بدايات تأسيسية لصراع كبير وشر مستطير، إذا ترك الأمر على ما هو عليه بيد المتعصبين المعبئين، والزعماء الغوغائيين أو الموجهين، والمشايخ ''التاريخويين''، أو قصار النظر المستغفلين، وخلف هؤلاء جميعا وبين صفوفهم كيد الكائدين ومكر الماكرين، من صهاينة وأمريكيين ومن لف لفهم ودار في فلكهم، من المستعربين والمغامرين... إذا سارت الأمور في هذا المسار، وبقيت بأيدي هؤلاء، فإنهم سينزلقون، ثم يجرون عموم أهل السنة، وعموم الشيعة، إلى عداوات وتوترات، وحروب وصراعات على جميع المستويات.

ما يجري في العراق اليوم -وهو الآن خطير وفظيع - يمكن أن يتصاعد ويتضاعف في غضون شهور، أوفي غضون سنة، أو أقل أو أكثر، ويمكن بعد ذلك -أو قبل ذلك - أن يتحول إلى انفجار كامل وحرب شاملة. وبتدخل -أو بدون تدخل- من الجيران والأصدقاء، ومن الأمريكان وعموم الأعداء، يمكن أن يؤول الأمر-في النهاية- إلى إعلان قيام دولتين، شيعية وسنية، إلى جانب الدولة الكردية.

ومن الطبيعي ومن المعتاد في مثل هذه الحالات أن تخوض الدولتان المؤسستان على الحقد والكراهية أشواطا إضافية من الاقتتال والصراعات المتنوعة. وتلقائيا سيكون لكل من الدولتين -أو الطائفتين- أصدقاء وأشقاء وحلفاء، راغبين أو راغمين. وكلهم سينخرطون في الصراع -أو ينجرون إليه- بشكل من الأشكال وبدرجة من الدرجات.

ولنا أن نتصور الانعكاسات السيئة، السريعة والمباشرة، بصفة خاصة على الأقطار الإسلامية التي تجمع السنة والشيعة، ابتداء من النموذج اللبناني الذي لا بد أن يصاب بالتسمم والتصدع، مرورا بإيران والبحرين والكويت والسعودية، وانتهاء بباكستان وأفغانستان.

كما أن تسميم العلاقات السنية الشيعية وتوتيرها سيمتد سريعا إلى الجاليات المسلمة في الدول الغربية، وهم أصلا منهكون بالنزاعات ومثخنون بالجراحات.

ومثل هذا الصراع -إذا اشتد وامتد- من شأنه أن يتخذ كل ما هو ممكن ومتاح من الأشكال والوسائل، العنيفة وغير العنيفة، النظيفة وغير النظيفة. ويمكن أن يمتد أو تمتد جراحه وتداعياته لآماد لا يعلمها إلا الله. بل هي ستمتد حتما إلى التأثير السلبي حتى على وضعية الإسلام ومستقبله عبر العالم، فضلا عن الاستقرار والتنمية وآمال النهضة.

المسار الثاني ولوازمه

المسار الثاني يتمثل في الحالة اللبنانية التي نعيشها اليوم، جنبا إلى جنب مع النموذج العراقي. وكما أن للمسار الأول رصيده وأهله، وبداياته وعوامل تغذيته و''نجاحه"، فإن للمسار الثاني مثل ذلك كله وأضعافه، إذا حظي بالتفعيل والتعجيل، وتمت محاصرة المسار الأول وقطع الطريق أمامه.

1- في لبنان اليوم، يتآخى ويلتحم الشيعة اللبنانيون مع السنة اللبنانيين، ومع السنة الفلسطينيين، ومع السنة السوريين. ومن ورائهم يلتف الشيعة والسنة أجمعون، بدعمهم وتأييدهم للمقاومة في لبنان وفلسطين.

    لسان حال المسلمين، سنة وشيعة، يقول اليوم بوضوح تام: كلنا حزب الله، وكلنا مع نصر الله. وكلنا فلسطينيون، وكلنا مع فلسطين. المسلمون جميعا متوحدون في تأييد المقاومة السنية في فلسطين، وفي تأييد المقاومة الشيعية في لبنان.

    هذه الحالة وهذه الدرجة من التوحد والتآخي، لم تحصل من قبل في تاريخ العلاقات بين السنة والشيعة. فهذا مكسب تاريخي كبير للتقارب السني الشيعي، يجب تثبيته واستثماره وتنميته وحمايته.

2- إن المسلمين اليوم ليسوا متروكين لحالهم ومشاكلهم وشئونهم الداخلية، إنهم اليوم، بكل دولهم، وبكل طوائفهم، وبكل أحزابهم، وبكل قضاياهم القديمة والجديدة، موضوعون فوق الطاولة وتحت الطاولة، وتحت المجهر، لأجل تمزيق وحدتهم وتعميق فرقتهم وتحطيم طموحاتهم.. فنحن اليوم إذا لم ننجز ما نريد فسينجز لنا وبنا مالا نريد.

    وفي موضوعنا بالذات: إذا لم ننجز المسار اللبناني، فسينجز لنا المسار العراقي. ولو كانت الأمور متروكة على سجيتها لأمكن أن نرى مسارا آخر-أو مسارات أخرى -بين بين. لكن الآن هناك سباق، يمضي على قدم وساق، بين أحد المسارين. وهذا في حد ذاته إذا وعيناه، يصبح عنصر ضغط ودفع وتحفيز للمسارعة بإنجاز الخيار الذي نريد، أي التمسك بالتجربة اللبنانية، وتدعيمها وتعميمها.

3- إننا اليوم في زمن وفي عالم لم يسبق له مثيل ولا شبيه من حيث كثافة التواصل والتفاعل على جميع الأصعدة. وهذا يخدم ويسهل قضية الحوار والتفاهم والتمازج بين السنة والشيعة، ويعطيها فرصا وإمكانيات لا حدود لها. وهذا معناه أن بإمكان السنة والشيعة أن يحققوا لعلاقاتهم الدينية والفكرية والسياسية ما لم يحققه أسلافهم على مدى قرون وقرون.

4- إذا كانت عملية التقريب العاطفي، والتفاهم السياسي، والتلاحم الجهادي ضد العدو المشترك، لا يمكنها إلغاء الخلافات المذهبية الكثيرة والعميقة بين السنة والشيعة، فإنها تعد في حد ذاتها شوطا كبيرا من الحل، بدل أن تبقى جزءا كبيرا من المشكلة، كما أنها تمثل عاملا وسببا قويا للمضي والنجاح في الأشواط الأخرى. وما لا يدرك كله لا يترك جله ولا قله (بكسر القاف).

بإمكاننا اليوم بسهولة ردم خنادق القطيعة والكراهية والحيطة وسوء الظن والريبة وحوار الطرشان، وبعدها ننظر ونواصل النظر، فيما بقي من خلافات علمية وفكرية، حقيقية أو وهمية، أو جامعة بينهما. لا عذر لأحد اليوم في أن يقتصر في أحكامه وتصنيفاته لطوائف المسلمين، على كتب التاريخ والتراث التاريخي، بينما بإمكانه أن يجالسهم ويهاتفهم ويحاورهم على الإذاعة والتلفزيون والإنترنت، وأن يقرأ مؤلفاتهم الحالية ومجلاتهم وبياناتهم..

وقديما قرر اللغويون قاعدة تصلح لمقامنا ولمقامات عديدة، وهي ''إذا أمكن الاتصال لا يعدل عنه إلى الانفصال''، فإذا أردنا تضييق الهوة العلمية والفكرية، فعلينا أولا ردم الهوة النفسية والجسدية.

أما الأصوات المغفلة والشاذة التي تتحدث اليوم عن الرافضة أو الناصبة، فأذكر أصحابها بقول الله تعالى "لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ"، فما يضيركم إذا ألف الله بين المسلمين السنة والشيعة، وجمع بين صفوفهم وعواطفهم ببركة فلسطين وببركة الجهاد لأجل فلسطين؟.

إن الرافضة اليوم -بالمعنى الجديد والمقبول- هم الذين يرفضون الكيان الغاصب، ويرفضون الاحتلال، ويرفضون العدوان، ويرفضون المهانة والاستسلام. وبهذا المعنى فكلنا رافضة، وكلنا مع الرافضة. وأقول كما قال الإمام الشافعي رحمه الله "فليشهد الثقلان أني رافضي".

وأما الناصبة -بالمعنى الجديد والمقبول كذلك- فهم الذين يناصبون الاحتلال الأمريكي العداء، وهم الذين ينصبون له الكمائن والألغام. وهم الذين ينصبون كل جهدهم وقدرتهم لطرد المحتل وتحرير العراق منه. والله تعالى يقـول: "فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب". فهذا هو النصب الذي نعرفه اليوم ونسعى إليه اليوم. وعلـى جميع الشيعة أن يكونوا فيه ومعه، لا عليه وضده. مثلما على جميع السنة أن يكونوا رافضة ومع الرافضة المجاهدين في لبنان.

إيران والعلاقات السنية الشيعية

تحتل إيران اليوم موقعا مركزيا بالغ التأثير في قضية العلاقات بين السنة والشيعة، سواء من خلال مواقفها، أو من خلال المواقف منها. السياسات الإيرانية، الداخلية والخارجية تعد من العوامل الحاسمة في تحديد مسار العلاقات السنية الشيعية.

وإذا كانت السياسة الإيرانية الداخلية هي سياسة شيعية بالدرجة الأولى، وهو أمر مفهوم ومقبول، فإن سياستها الخارجية لا بد أن تكون سنية بالدرجة الأولى. وهذا أمر لا أستطيع إثباته أو نفيه، ولكني لا أراه واضحا. نعم يسجل لإيران موقفها المبدئي الصارم تجاه القضية الفلسطينية، ولكن الرقعة الإسلامية وقضاياها، ومتطلبات القضية الفلسطينية نفسها، هي أوسع وأحوج إلى سياسات ومواقف إيرانية تتجاوز حدود القرابة المذهبية وأولوياتها. بل إن السياسة الداخلية نفسها مدعوة إلى قطع جميع الاتهامات والشبهات المتعلقة بحقوق السنة من كرد وعرب وغيرهم.

من الجهة الأخرى، يحلو لكثير من الساسة الغربيين والسادة العربيين، التنديد بالتدخلات الإيرانية في القضايا العربية، والتحذير من الأدوار الإيرانية في المنطقة، ومن الطموحات الإقليمية لإيران، وهم عادة ما يقصدون العراق ولبنان وفلسطين.

أما العراق فيعلم الجميع أنه يخضع لتدخل أجنبي، غربي وغريب، يحتل البلاد ويقتل العباد، دمر العمران وأذل الإنسان. وهو يهدد كافة دول المنطقة وشعوبها، وفي مقدمتها إيران. فكيف يقع هذا ويقبل، ويستتب ويستمر، ثم يستنكر على إيران تدخلها وعلاقاتها، وهي شريك كامل لأهل المنطقة، يصيبها ما يصيبهم ويعنيها ما يعنيهم؟!

المفروض والمطلوب -في ظل الوضعية القائمة في العراق -أن يكون لإيران تدخل أكثر ودور أكبر في العراق، وخاصة في أمرين مصيريين مستعجلين هما: دعم المقاومة والتحرير، ووقف الفتنة الطائفية.

إن لإيران قدرة كبيرة غير موظفة على الصعيد الأول، ولها قدرة أكبر على الصعيد الثاني. وهي أيضا غير مستثمرة. فهل هذا وذاك محكومان بمنطق مذهبي وحسابات طائفية؟ نرجو أن نسمع الجواب، وإن كنا نفضل أن نراه.

أما في لبنان وفلسطين، فإن جميع "الاتهامات'' الموجهة لإيران، إنما هي أوسمة شرفية لها. وكل المسلمين ممتنون لإيران على دعمها للمقاومة في البلدين المبتلين بأخبث احتلال وأشرس عدوان. وكلنا نتمنى لو كانت إيران قادرة على تقديم ما هو أكبر، خاصة للمقاومة الفلسطينية وللشعب الفلسطيني، فإن هذا من شأنه أن يخدم الوحدة والأخوة الإسلامية، بين السنة والشيعة، ولو كره الكارهون.


* نقلا عن جريدة التجديد المغربية، 6-10-2006.

** كاتب مغربي.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع